الفصل الخامس عشر
الرئيس عند كورتوا
من الكتب المفيدة كتاب "لمحات في فن القيادة" لمؤلفه ج. كورتوا وقد ترجمه الى اللغة العربية المقدم الهيثم الأيوبي وقد رأينا أن نعرض لبعض ما فيه استكمالاً للفائدة. يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في تعريف الرئيس وضرورة وجوده وواجبه الأول الذي هو الخدمة العامة.
الباب الثاني: في الصفات النموذجية للرئيس ويتحدث في هذا الباب عن سبعة عشر صفة هي الهدوء وضبط النفس، ومعرفة الرجال، والايمان بالمهمة، والشعور بالسلطة، والبداهة والمبادرة وأخذ القرار، والانضباط، والفعالية، والتواضع، والواقعية، والدماثة والعطف، وطبية القلب، والحزم، والعدل، واحترام الكائن البشري واعطاء المثل، والمعرفة، والتنبؤ.
الباب الثالث: في الفنون التي ينبغي أن يمتلكها الرئيس، وذكر منها عشرة: فن التعليم والتدريب، فن التنظيم، فن اصدار الأوامر، فن المراقبة، فن التأنيب، فن المعاقبة، فن اخماد المقاومات الهدامة، فن المكافأة والتشجيع، فن الاستعانة بمواهب المساعدين، فن التعاون مع الرؤساء الآخرين.
فالرئيس المثالي عند كورتوا هو القائم بالخدمة العامة على أعلى مستوى بما يحقق المصلحة العامة التي من أجلها قدم ولكي ينجح في مهمته لا بد أن يمتلك نواصي أخلاق وملكات بعينها، ولا بد أن يتقن فنوناً عشرة كاملة متكاملة وهي التي يسميها فنون القيادة. ومن كلامه في الباب الأول:
· "الرئيس هو من يريد ثم يعمل، ويثير رغبة العمل في نفوس الآخرين، ويوزع عليهم الجهود والمسؤوليات لتحقيق ما أراد".
· "لا يسمى المرء رئيساً الا اذا بث الفكرة المثالية التي يؤمن بها في جماعته، ليحملها على معاونته في تنفيذ هذه الفكرة رغم كل العقبات".
· "يصدر الرئيس الأوامر، ولكنه لا يكتفي بذلك، بل يؤمن حسن سير العمل باختيار المنفذين وتدريبهم ودعمهم ومراقبتهم".
· "عندما تأزف الساعة ويحين وقت القرار وتحمل المسؤوليات وبذل التضحيات، تضطرب الأفئدة، ولا يثبت الا كل رئيس قوي النفس، راغب في النصر، مؤمن بالهدف، قادرعلى رؤية السبيل القويم والسير فيه رغم كل الأخطار. هذا هو الرئيس الذي يحق له أن يقود فليس كل من لبس التاج وحمل الصولجان ملكاً متوجاً".
· "الرئيس هو من عمم الانضباط عن رغبة لا عن خوف، واهتم بالمصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة، وحافظ على تماسك الوحدة في الشدائد والملمات".
· "تهلك الجماعات البشرية وتتبدد قواها في اتجاهات مختلفة، اذا لم يكن لها رئيس واحد، يأمر ويوحد، وينقل الى الآخرين أفكاره، كالرأس ينقل الأوامر الى الأعضاء".
· "اتركوا جماعة ما بدون رئيس فتتفكك النفسيات الطيبة، وتضعف أحسن الارادات، ويقع الاندفاع. وعندما تبدأ الأفكار الهدامة بالتغلغل، فتتحطم الوحدة وتنهار، وتنشأ الفوضى التي تهدم ولا تبني أبداً".
· "كل جماعة بشرية بحاجة الى رئيس يفرض الاحترام والطاعة ويحافظ على مصلحة كل فرد، ويمنع الاستغلال ويجمع الفعاليات من أجل المردود الأعظم، لأن التضحيات تفشل مهما كانت مخلصة اذا لم يجمعها طريق واحد موجه".
· "إن مجموعة من الرجال بدون رئيس مجموعة فاشلة، وخاصة اذا كانت مشكلة من عناصر ممتازة ذات مواهب. فكلما كانت شخصيات الرجال قوية، توجب وجود رئيس قادر على كسب احترامهم وتوحيدهم وتوجيه جهودهم نحو هدف دقيق مقبول من قبل الجميع، والا تبعثرت القوى، وساد اعتداء كل واحد على صلاحيات رفاقه، وانطلق كل فرد في اتجاه معاكس للآخرين، غير مهتم بمصالحهم وشعورهم واتجاهاتهم".
· "لا يبحث الرئيس الحقيقي عن السلطة حباً في السيطرة. وهو لا يضغط على ارادات الرجال بغية تحطيمها، وإنما يبحث في سبل مساعدتها لتصبح قادرة على خدمة هدف نبيل".
· "على الرئيس إن رام تنمية سلطته أن يطبقها وفق الطريق الشرعي، أي في خدمة الصالح العام، متناسياً نفسه ومصلحته فيربح بذلك احتراماً وقوة لا يمكن أن ينالهما بما يحمله من رتب، ويرتفع في نظر مرؤوسيه الى مرتبة أعلى من مرتبة الفرديين الضيقين، ويصبح كلامه مقبولاً وذا وقع حسن لأنه صوت وجداني يبحث عن مصلحة المجموعة، وتبدو قراراته أقوى من ارادة أي رئيس لأن قوتها مستمدة من ارادة المجموع".
· "قاد تعني خدم. فالرئيس في خدمة المجموعة. ولا يعني هذا أنه ينفذ أوامرها وأهواءها اذا لم تكن هذه الأوامر والأهواء في مصلحتها، أو كانت مدفوعة بأيد خارجية ذات منافع خاصة". "والشعور بالمسؤولية معناه رغبة الرئيس في عدم اجهاد مرؤوسيه وتعذيبهم دون مبرر، أو معاقبتهم بظلم، أو تجريدهم من الرفاه الذي لا يضر بنفوسهم أو بالمصلحة العامة. إنه لا يقبل بأن يسيروا عشرة كليومترات اضافية لأن الأوامر كانت مبهمة، أو أن يضيعوا في القرية عند الوصول لأن أماكن الاقامة لم تكن مستطلعة ومحضرة، وأن يصلوا تعبين منهكين فلا يجدون المطبخ جاهزاً لتقديم ما يلزم. إنه يفكر بكل شيء، ولا يذهب للأكل أو النوم الا بعد أن يتأكد بأن الأمور تسير سيراً حسناً. إنه يفكر بكل شيء ما عدا راحته الشخصية".
· "يمكن اكتشاف الرئيس من شعور رجاله بالأمن والقوة الى جانبه، واستعدادهم للسير معه الى كل مكان. لقد كان جنود نابليون يقولون: "إن بامكانه أن يأخذنا معه الى نهاية العالم".
· "على الرئيس أن يكون حاضراً في كل زمان ومكان، فالحضور ميزة لا تعادلها ميزة. إن الإشارة والنظرة والصوت والهيئة مظاهر خارجية صغيرة تكشف قوة شخصية الرئيس أو ضعفها، وخاصة في المأزق. ومن مجموعة هذه الأشياء الصغيرة تتكون الفكرة عن رجولة الرئيس. فان كان رجلاً احترمه الجميع، والا كان مجالاً للهزء والسخرية".
· "على الرئيس أن يكون أكثر يقظة من الآخرين، حتى يرى الخطر وسبل تلافيه، وأكثر ذكاء ليفهم العمل بشكل ممتاز، وأكثر دقة وتجرداً في الحكم ليضع كل رجل في مكانه الذي يستحقه، وأسرع في اتخاذ القرار ليكون العمل منفذاً في الوقت الملائم، وأشجع في الأخطار ليبث الشجاعة في كل فرد، وأكثر صراحة ليذيب الخوف والخجل من قلوب مرؤوسيه، وأكثر ثباتاً في العمل ليقاوم الزمن والروتين اللذين يقللان من الاندفاع، وأكثر دماثة وغنى بالعواطف النبيلة ليكون انساناً قادراً على جمع القلوب وتوحيدها".
ومن كلامه في الباب الثاني بمناسبة الحديث عن رباطة الجأش:
· "ينظر الجنود في ساعات الخطر غريزياً الى وجه رئيسهم، فاذا اكتشفوا لديه قلقاً أو توتراً عصبياً، انتشر هذا الشعور بينهم بسرعة تزداد بمقدار ما يكون الرئيس محبوباً وموثوقاً".
· "إن الاستراحة فن على الرئيس أن يتقنه. فإن أهمل اراحة نفسه وصل الى الانهاك الذي يفقده السيطرة على تصرفاته. ولقد قال جنكيزخان: (الرئيس الذي لا يتعب غير أهل للقيادة)".
· "يوحي صمت الرئيس بارادته القوية وفكره الواسع، في حين تفقده الثرثرة الاحترام احياناً والثقة دائماً".
(لا تقل لمرؤوسيك لتشجيعهم: هذا أمر بسيط ايها الجبناء ولا تبالغ صارخاً: لقد ضاع كل شيء فلينج من استطاع النجاة. ولكن قل لهم: الحالة خطرة تتطلب جهودكم جميعاً. كونوا هادئين، وثقوا بحزمي كما أثق باخلاصكم).
ومن كلامه في الباب الثاني بمناسبة الحديث عن معرفة الرجال:
· "يقول أحد رجال الأعمال الناجحين مجيباً عن سؤال اصدقائه عن سر تفوقه الباهر: "لم أكن أعرف الآلات كما يجب، ولكني كنت أعرف الرجال".
· "على الرئيس إن رام تقدير رجاله حق قدرهم، أن يترك برجه العاجي، ويقوم بجولات عملية".
· "لا تقرر بسرعة: "إن فلاناً لا يصلح لشيء"، ففي كل شخص قدرة كامنة منتجة إن أحسن استغلالها. وتمهل في القرار، فعلى الأرض اناس سيئون أقل بكثير مما نتوقع".
· "لا يكون التحام الجماعات كاملاً، الا اذا تعارف أعضاؤها، وعرفوا رئيسهم، ووثقوا بأنهم معروفون من قبله، إن الكائن البشري بحاجة الى الشعور بأنه معروف ومفهوم ومحترم، حتى يستطيع بذل نفسه في سبيل مهمته".
ومن كلامه في الباب الثاني بمناسبة الحديث عن الايمان بالمهمة:
· "الرئيس الذي لا يؤمن بهدفه ليس أهلاً للقيادة. وإيمانه وحده بالهدف لا يكفي، اذ عليه أن ينقله الى الآخرين، وأن يفهم كل مرؤوس مسؤوليته في المهمة، ويبعث فيه الشجاعة، ويقنعه بالمثل العليا التي تدفع الى العمل".
· اسم الفرد هو أعذب كلمة في اللغة، فما على الرئيس لو نادى كل فرد باسمه؟ ومن كلامه بمناسبة الحديث عن تأثير سلطة الرئيس:
· "إن قطعة عسكرية قليلة التدريب، ولكنها بيد رئيسها، لأفضل بكثير من أخرى أكثر تدريباً وأقل طاعة".
· "السلطة أمانة في عنق الرئيس. وليس له الحق بتبذيرها. والسلطة قوة مستمدة من السلطة العليا، فلا يجوز أن نجعلها مكروهة أو محتقرة".
· لا يحق للرئيس أن يتنازل عن جزء من سلطته. وعليه إن أراد حقاً فائدة مرؤوسيه أن يجعل السلطة محترمة ومقدسة.
· لا يبحث الرجال عن البشاشة الناجمة عن ارادة ضعيفة. وهم يفتشون عن رئيس قوي صارم متأكد من نفسه، يستطيعون الاعتماد عليه عند الشدائد.
· تطمئن الرجولة الحازمة المرؤوس، بينما تزعزعه الميوعة وتفقده الثقة والايمان.
· إن اسوأ علة يصاب بها شخص مسؤول، هي الخشية من التحدث أو التصرف كرئيس.
· اذا تناسى الرئيس مركزه ووضعه تناساه مؤوسوه.
· لا يستجدي الرئيس الطاعة استجداء. إنه يأمر دون تكبر، ويملي ارادته دون تفاخر، لأن نقص السلطة يسيء الى المجموعة أكثر من المبالغة فيها.
· هنالك رؤساء تدفعهم الرغبة الشعبية، او الفهم الخاطئ لفكرة المساواة، الى التساهل وعدم ضبط العمل. إنهم يدعون بهذا الى التهاون والفوضى والدمار.
· اذا ما تردد الرئيس في أخذ القرار واحترام السلطة، لفرط في الدماثة أو لخوف من المسؤولية، هيأ الجو الملائم لفوضى عاجلة، يكون ومرؤوسوه أول ضحاياها.
وبمناسبة الحديث عن المبادهة واتخاذ القرار يقول:
· "إن قراراً حازماً غير كامل، ومتبوعاً بتنفيذ جيد، لأفضل من الانتظار الطويل لقرار مثالي متأخر".
· القدرة على أخذ القرار صفة لازمة للقيادة، فان لم يكن الرئيس متحلياً بها تعطل العمل، وإن تحلى بها مساعدوه من دونه خلقوا الفوضى".
· "لا تكون الطاعة مضمونة الا اذا عرف الرئيس ما يريد، وقرر الطريقة اللازمة للتنفيذ. وليس هنالك ما يفسد السلطة كظهور الرئيس بمظهر المتردد، الذي تتدافعه الأهواء بين اقدام واحجام، حتى يفقد سلطته ويفقد مرؤوسوه اطمئنانهم".
· "تصلح كلمة (ربما) للفيلسوف في حين تصلح كلمتا (نعم) و (لا) للرئيس الحازم".
· "يعرف الرئيس من قراراته، فالحياة مواقف، وفي المواقف تضحية. ويستطيع من لا يقرر في الوقت المناسب أن يكون عالماً كبيراً، أو فنياً معتبراً، أو فيلسوفاً يشار اليه بالبنان، ولكن يستحيل عليه أن يكون رئيساً ناجحاً".
وبمناسبة الكلام عن التواضع والانضباط والفعالية يقول:
· "الرئيس الحق هو من حاول التخفيف من ظهور اخطاء مرؤوسيه، وبذل جهده ليظن الجميع بأن النجاح ناجم عن جهد المسؤولين".
· "كلما كان الشخص المنتقد كبيراً كان لانتقاده تأثير تخريبي. فمن انتقد رئيسه أمام مرؤوسيه عرض نفسه لانتقاد هؤلاء المرؤوسين، وعرض معنويات الوحدة الى الانهيار، فالمعنويات تعتمد على القناعة بسلامة الهرم القيادي".
· "على الرؤساء أن ينموا في أنفسهم ومرؤوسيهم روح الانضباط. فالمثل العسكري يقول: "الانضباط هو قوة الجيش الرئيسية"، بل هو قوة الأمة التي تريد الحياة، اذ يتطلب نهوض شعب من كبوته اشتراك الجميع وتعاضدهم".
· "اذا خدع الرئيس مرؤوسه، وأوحى اليه بأن عنده صفات ومزايا لا يملكها، وأعطاه وعوداً لا يستطيع تنفيذها، واكتشف المرؤوس هذا الخداع، انقلب احترامه الى كراهية وحقد".
· "لا يمكن للرئيس أن يخدع مرؤوسه، طويلاً، ولا بد أن تكشفه الأيام والنوائب، فان كان متواضعاً أمام نفسه بقي قوياً أمام الآخرين. وإن كان صادقاً استطاع أن يطلب الصدق من الآخرين".
· "لا يكذب المرؤوسون على رئيسهم المتواضع، بل يفتحون له قلوبهم، ويعترفون له بضعفهم ليكون لهم طبيباً".
· "لا يتحدث الرئيس مطلقاً عن نفسه، ويلغي من حديثه كلمة "أنا" مستعيضاً عنها بكلمة "نحن"، قاصداً بذلك الجماعة، لأن من تشغل "الأنا" باله يجعل من نفسه هدفاً لكل عمل، ويستغل جهد الآخرين لمصلحته الشخصية، ويصبح عبئاً على جماعته وطفيلياً على جهودها وتضحياتها".
· "لا ترددوا باستمرار جملاً تدل على الغرور، كقولكم: "لقد كنت أتوقع هذا.... لقد قلت لكم هذا... انظروا الى فكرتي فهي مصيبة وسترون... لقد أعلمتكم بما سيقع أفلا ترون؟..."، لأن هذا تبجح غير مجد، وتسليط للأنوار على ذكائكم الفردي، وثرثرة في غير موضعها، لأنكم إن كنتم قد توقعتم حصول الأمر حقاً فأنتم أمام حالتين: أولاهما أنكم أخذتم التدابير اللازمة لتلافي الخطأ، وهذا عمل حسن ولكن علام التبجح بأعمالكم المجيدة؟ وثانيهما أنكم لم تأخذوا التدابير الكفيلة لحل الموضوع، وفي هذه الحالة الزموا الصمت أمام مرؤوسيكم لأنكم لم تقوموا بواجبكم".
· "لا تخلطوا بين الارادة والعناد، أو بين الشخصية الصارمة المحترمة والشخصية القبيحة المكروهة".
وبمناسبة الكلام عن الواقعية يقول:
· "على كل رئيس أن يتعرف على الجهة الواقعية للأمور، حتى لا يكون بين أفكاره المثالية وبين الحياة العملية هوة كبيرة".
· "تتطلب مهنة القيادة رئيساً واقعياً، لأن عدم الانسجام مع الواقع أول خطوة لفقدان زمام الأمور".
· "الواقعية ابتعاد عن النظريات الجامدة والحلول الجاهزة، اذ أن لكل حالة لبوسها ولكل مشكلة حلها. يجب دراسة كل حالة وفق معطياتها، وما تطبيق الحلول الجاهزة سوى تخريب يقوم به من لا يجرؤون على التفكير أو الابداع، ويقلدون تقليداً أعمى، ويطبقون الروتين، مضيعين بذلك جهوداً هائلة للحصول على نتائج هزيلة".
وبمناسبة الكلام عن الدماثة والعطف يقول:
· "لا توجهوا النصائح لمرؤوسيكم بطريقة منفرة تجرحهم وتجعلهم يتعنتون فلا يستطيعون اتباعها. وضعوا أنفسكم الى جانبهم، وقدموا النصح كأنه خلاصة لتجارب صديق أو أخ كبير".
· "على الرئيس أن يظهر لمرؤوسيه دماثة تدل على رغبته في مساعدتهم لحل متاعبهم. وتحتاج النفوس القلقة الغاضبة لمن يستمع اليها والابتسامة تملأ محياه. فان لم يكن الرئيس دمثاً اشتكى الرجال لشخص غير كفء أو غير مبال، ونتج عن ذلك جو من التذمر والقلق يحطم المعنويات، وتزداد خطورته يوماً بعد يوم".
وبمناسبة الكلام عن الحزم والعدل يقول:
· "يقول أحد القواد الكبار يصف قائد سريته عندما كان برتبة ملازم: "كان رئيسي برتبة نقيب، وكان قاسياً وعادلاً بآن واحد. ولم يكن أحد منا يفكر بمخالفة أوامره أو تنفيذها بشكل غير دقيق. اذ كنا نشعر بوجوده يراقبنا بعينيه الحادتين حتى ولو كان غائباً". كان يفتش السرية ابان العمل، وينتقل من مكان الى آخر بخطوات واسعة، مطبقاً العدل بكل دقة وحزم. كان لا يتهاون ولا يسمح لأي جندي أو رتيب باهمال واجبه. لقد كنت أرافقه فأجد عنده أحياناً مبالغة في التدقيق، وكنت أعتقد بامكانية التسامح في بعض المواضع. ولكنني أشعر اليوم بأنه كان محقاً، فالنظام المستمر خير واق للوحدة من الفساد والفوضى، والوقاية خير من العلاج. كانت شدته تزداد بازدياد رتبة المسيء، فالرتيب في نظره قدوة لا يجب أن يخطئ، وخادم لواجب لا خادم لمنافع شخصية. ولم يكن ليتوانى عن تأنيب ضباطه أو رقبائه عند اللزوم، ولكنهم لم يحقدوا عليه مطلقاً".
· "العدل هو توزيع الثناء والتأنيب بكل تبصر.. والاعتراف بأعمال المرؤوسين الطيبة وأفكارهم المبدعة والتعمق فيها. ومراعاة أسباب الفشل لمن بذلوا قصارى جهدهم وامكانتهم ولم ينجحوا رغم ذلك".
· "العدل هو اعتراف الرئيس عند النجاح بمجهود كل من اشتركوا معه، واعتقاده الصادق بأن الفوز ناجم عن مجموعة الجهود الصغيرة والكبيرة، فلا يدعي الفخر كله لنفسه، ولا يجر المغانم كلها نحوه، أو يجعل البطولة وقفاً عليه من دون مرؤوسيه".
· "العدل هو الوقوف على الحياد في كل مناسبة، وعدم الانحياز الناجم عن الاستلطاف أو النفور. وتأمين توزيع المناصب على المرؤوسين وترفيعهم حسب الامكانات والمواهب الثابتة الأكيدة، وليس حسب المعرفة المسبقة أو المديح الذي يكيله المرؤوس".
· "العدل هو احترام الرئيس للتسلسل الهرمي الموضوع من قبله، ودعم المساعدين ورؤساء الفروع والورشات، وعدم التدخل في أعمالهم بدون معرفتهم".
· "العدل هو اعتراف الرئيس بخطئه وتحمل نتائجه، وعدم الصاقه بشخص آخر، وخاصة اذا كان مرؤوساً ليس له ذنب سوى أنه نفذ الأوامر الناقصة أو المبهمة بوجدان وضمن حدود الامكانات الموضوعة تحت تصرفه".
· "العدل هو الاستقامة عند تنفيذ المهمة بشكل لا يقبل النقد، استقامة ترفع وحدها معنويات المجموعة أكثر من وسائل القيادة كلها مجتمعة".
وبمناسبة الكلام عن احترام الكائن البشري يقول:
· "لا تشرف الشتائم الرئيس الذي يطلقها، بل تخفض قيمته، وتقلل احترام الآخرين له، وتفتح في النفوس جرحاً لا يندمل".
· "اذا تحدثت مع جنودك فارفعهم الى مستواك واحذر أن تنحدر الى مستواهم".
· "عندما احتل العمال المعامل في فرنسا. لاحظ الجميع أن المعامل التي لم تضرب هي التي كان رؤساؤها يتصلون شخصياً مع العمال، ويهتمون بهم كأفراد، ويهتمون بعائلاتهم ومنازلهم، ويقدمون لهم المساعدة. كما لاحظوا الحقد العميق الذي أظهره عمال المعامل المضربة تجاه رؤساء عاملوهم (كآلات انتاج)".
· "إني لأذكر ما حييت رئيساً صالحاً، كان اذا استدعى أحد مرؤوسيه أو صادفه بدأه بالسؤال عن قضاياه الشخصية ومتاعبه، ثم حادثه في القضايا الفنية. لقد كان يسأل عن أفراح الجميع وأتراحهم لعله يستطيع مشاركتهم بشكل من الأشكال".
وبمناسبة الكلام عن اعطاء المثل والقدوة يقول:
· "الرئيس قبلة الأنظار شاء أم أبى، ويتجه جنوده نحوه بأبصارهم لتقليده والسير على هديه. وتزداد قيمة المثال الذي يعطيه بازدياد قيمته في قلوبهم".
· "يعلم العمل ما لا يعمله القول. إنه يقلب الأفكار والمبادئ النظرية الى أشياء حقيقية ملموسة". لا يتبع الرجال أبداً تعليمات المنطق المطلق والعقل السليم فقط، إنهم يودون رؤية مثلهم العليا متجسدة في رجل يعلمهم ويقودهم، فيسيرون خلفه بدافع الاعجاب والمثل.
· "يمكن للرئيس الذي يعطي المثال الصالح أن يطلب من رجاله كل شيء لأنه يكسب احترامهم ومحبتهم عن جدارة واستحقاق".
· "اذا ما رأى المرؤوس رئيسه يعمل بدون كلل، متجاهلاً نفسه، متناسياً راحته الطبيعية، محتقراً الثروة والشهرة والجاه، يدفعه الشرف، وتثيره رغبة واحدة هي سير المجموعة سيراً حسناً مع تأمين السعادة القصوى للجميع، تأثر بهذه التضحية، وأصبح تابعاً لرئيسه وكأنه ممغنط".
وبمناسبة الكلام عن ضرورة تنمية الرئيس معارفه يقول:
· "المعرفة أساس من أسس السلطة ودعامة من دعائمها. وتزداد القيمة المعنوية للرئيس بازدياد معلوماته، فعليه أن ينميها ليكون أهلاً لخدمة الهدف بشكل أفضل".
· "يقدم الرئيس معلوماته التقنية عندما يرى ذلك ضرورياً وفعالاً، وضمن حدود معينة، محاولاً السيطرة على ميله الشخصي نحوها، فلا يباشر أعمال غيره بنفسه حتى يبقى قادراً على توجيه وجمع أعمال مرؤوسيه كافة".
وبمناسبة الكلام عن معرفة الاحتمالات وحسن التوقع والتنبؤ يقول:
· "يتعلق نجاح الرئيس وفشله بصدق حدسه، وحسن تنبؤاته، وعمق النظرة التي يلقيها نحو المستقبل. وعليه ألا يعمل ليومه بل لغده، فيتنبأ بما ينجم عن قراراته في المستقبل البعيد، ويتوقع ما سيصادفه من متاعب وعقبات في مختلف الظروف المحتملة، دون أن يؤثر ذلك على اندفاعه أو يقلل من حماسه".
· "يسمح التنبؤ للرئيس بسرعة المحاكمة ودقة القرار. ويقول نابليون: (كنت أبدو دائماً على استعداد، وجاهزاً لكل عمل، لأنني كنت أفكر بالحوادث قبل وقوعها، وأجد لها الحلول المسبقة، وأسبق الزمن بسنتين فأتنبأ بما سيحصل لي بعد ذلك)".
ثم يتحدث المؤلف عن فنون القيادة العشرة، ويبدأ بذكر فن التعليم والتدريب كأول فن يجب أن يتقنه الرئيس، ومن كلامه بهذه المناسبة:
· "على الرئيس أن يكون مدرباً، وأن يبين لكل مرؤوس الامكانات الكامنة فيه ليصقلها ويشذبها تحت اشرافه وتوجيهه، فيخلق فيه شعلة من الحماسة والثقة بالنفس تساعده على القيام بمهمته بشكل أفضل".
· "اذا أحب الانسان عملاً قام به بهمة وذكاء. وعلى الرئيس أن يفكر بهذا المبدأ دائماً، ويثير لدى مرؤوسيه، قبل التدريب وأثناءه، ثلاث صفات: حب العمل، والشعور بالمسؤولية، وروح الجماعة".
وبمناسبة الكلام عن الفن الثاني الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن التنظيم يقول:
· "لا يمكن لقائد اللواء قيادة 3000 رجل، ولا لقائد الكتيبة قيادة 1000 رجل، لو لم يكن اللواء مقسماً الى كتائب، والكتيبة مقسمة الى سرايا. إن التنظيم أساس القيادة. علموا مساعديكم المباشرين ودربوهم، حتى تستطيعوا قيادة وحدتكم بواسطتهم. واحذروا من القيام بأعمالهم، فوقتكم لا يكاد يكفي للقيام بأعمالكم".
· "يتمتع التقني في الجيش بمكانة هامة، ولكنه يأتي بعد المنظم... ولكم لاقى الجنرال بازين من متاعب، وكم أساء الى مهمته، لأنه كان يقوم بوظيفة مساعد السرية وآمر الجماعة وآمر الزمرة. كان يتدخل في أحكام الرمي، أو في فتح نار سلاح اوتوماتيكي، بدلاً من أن يعطي لضباط الأركان المحيطين به أمراً أو فكرة تسمح لهم بالعمل".
· "على الرئيس الذي يود السمو الى مستوى مهمته، أن ينظم عمله الشخصي، ويعطي الوقت اللازم للاهتمام بمشاكل القيادة ذاتها، وليس عليه أن يقوم بكافة الأعمال. إن من واجبه تنظيم المهام وتوزيعها على مرؤوسيه حسب امكاناتهم، والعمل بعد ذلك على توجيه جهودهم كافة للوصول الى الهدف الواجب تحقيقه".
· "يجب اتباع التسلسل في كل أمر أو عمل. ويمكن الخروج عن هذه الطريقة بصورة قاهرة ولضرورة السرعة، شريطة موافقة الرئيس مسبقاً، واعلام الرؤساء المسؤولين الذين تم القفز فوق صلاحياتهم".
· "ليس هنالك عمل فعال، دون تنظيم، ولا نظام بدون تسلسل. إن هدف الجميع خدمة المصلحة العامة، شريطة أن يبقى كل امرئ ضمن حدوده".
· "تجنبوا وضع شخص واحد تحت تصرف سلطتين، متعمدين على المحبة والثقة المتبادلة والتفاهم واللباقة التي تتمتع بها السلطتان. فليس هنالك ما يسبب التوتر والخصام مثل ازدواجية السلطة".
· "كما أن للامكانات والقدرات الفكرية درجات، فهنالك سلم للمهمات. وغاية التنظيم تأمين التوافق بين متطلبات المهمة وامكانات الرجل. فليس من المعقول تعيين شخص في مهمة قائد لواء لمجرد أنه رجل طيب أو لمجرد أنه قائد سرية ناجح".
وبمناسبة الكلام عن الفن الثالث الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن اصدار الأوامر يقول:
· "اصدار الأوامر فن غايته سياسة الرجال، بشكل يؤمن الحصول على أحسن مردود، مع أقل ما يمكن من الصدمات، وأكثر ما يمكن من التعاون".
· "اذا كانت الأوامر صفة من صفات السلطة، فالقدرة على جعلها منفذة صفة من صفات الرؤساء الناجحين".
· "أثبتت التجربة بأن التنفيذ يكون جيداً، اذا تفهم المرؤوسون فكرة الرئيس وعرفوا غايتها. ويزداد الاندفاع والحماس اذا تعلق المنفذون بالقضية العامة، واعتبروها قضيتهم الشخصية، واعتبروا تنفيذها رغبة من رغباتهم".
· "تجنبوا تكرار الأمر، ولا تعطوه الا في الوقت المناسب، حيث تكون الشروط المادية والمعنوية جاهزة للبدء بالعمل".
· "لا تترددوا عند اعطاء الأمر، حتى لا ينعكس ترددكم على مرؤوسيكم فيتقاعسوا وينتظروا أمراً معاكساً ولقد أثبتت التجارب أن الأوامر المعطاة بثقة تنفذ مباشرة، وأن الأمر الواضح الثابت ضمانة للبدء بالتنفيذ".
· استخدموا الاثبات في أوامركم، فهو أقوى من النفي. فاذا ما قارنا بين أمرين "قوموا بواجبكم" و "لا تكونوا متقاعسين"، لوجدنا في الأول قوة دافعة للتنفيذ، واشارة الى صفة ايجابية هي حب الواجب، في حين يتضمن الثاني اشارة الى صفة سلبية كالخوف من مساوئ التقاعس.
· "هنالك رؤساء يسعون الى السيطرة على مرؤوسيهم عن طريق افقادهم ثقتهم بأنفسهم وامكاناتهم في المحاكمة. ثم يتذمرون بعد ذلك من نقصان حماسة مرؤوسيهم وتضاؤل اندفاعهم".
· "تجنبوا اعطاء الأوامر الى المرؤوسين مباشرة، دون اتباع طريق التسلسل الذي وضعتموه بأنفسكم".
· "لا تبحثوا عن تعديل أمر بدئ بتنفيذه، اذ تسبب الأوامر التكميلية ازعاج المنفذين".
· "يفقد الرئيس احترامه كرئيس حقيقي، بمجرد قبوله عدم تنفيذ أمر من أوامره مهما كان نوعه. فعليه اذن الا يصدر أمراً قبل دراسته دارسة وافية، والتأكد من قابليته للتنفيذ".
· "لا تكرروا الأوامر، حتى لا يعتقد الآخرون بعدم ثقتكم بها أو بهم. واذا اعتقدتم أن أمراً أسيء فهمه، فكرروه بواسطة أحد المنفذين أو المساعدين".
· "ينتظر المرؤوسون أن يكون الرئيس منطقياً، فلا يطلب منهم الا ما يستطيعون عمله، وما هو بحاجة اليه فعلاً".
وبمناسبة الكلام عن الفن الرابع الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن المراقبة والتفتيش يقول:
· "المراقبة ضرورية للمرؤوسين، وواجب بالنسبة الى الرئيس".
· "اعطاء الأوامر سهل بالنسبة الى الاشراف على تنفيذها. ولا تظهر صفات الرئيس ومقدرته الا أثناء مراقبة التنفيذ".
· "يجب ألا تكون مراقبة الرئيس متكررة بشكل مزعج، أو نادرة قليلة النفع، ويمكن أن تكون دورية ومفاجئة لتجنب الروتين".
· "ينبغي تطبيق المراقبة بكل دماثة وتعقل. ويتقبلها المرؤوسون بكل رحابة صدر، اذا ما شعروا بأن غايتها ايجاد أحسن الطرق لاصلاح العمل وليس البحث عن الأخطاء واظهارها بشكل مضخم".
· "على الرئيس أن يعترف بالأعمال الحسنة أثناء التفتيش، على ألا يتردد بتوجيه الانتباه نحو الأخطاء، أو نحو ما كان من الواجب عمله".
· "للرئيس أثناء المراقبة ثلاثة واجبات: واجب خدمة تجاه المصلحة العامة التي يخدمها، يجبره على مراقبة مرؤوسيه وتوجيههم. وواجب رحمة تجاه المخطئين الذين هم بحاجة الى دعم وتشجيع وتعليم. وواجب عدالة تجاه المرؤوسين العاملين بصدق وأمانة، حتى لا ينزعجوا من سكوت الرئيس على زميل مخطئ".
· "يدفع الرجل الى العمل ضمير يقظ ورئيس مراقب. فاذا أهملنا المراقبة، واعتمدنا على الضمير وحده، تعرضت الوحدة الى تيارين متعاكسين: تيار الضمير وتيار الاهمال. ويؤثر الثاني على الأول عادة إن لم يتفوق عليه، فيضعف مردود الوحدة، ويقل اندفاعها لخدمة هدف سام نذرت نفسها من أجله".
· "المراقبة واجب مقدس للتأكد من تنفيذ الأوامر بدقة. ولا تكون المراقبة فعالة الا اذا كانت شخصية يقوم بها الرئيس بنفسه دون الاعتماد على الوسائط والتقارير، وشمولية تصل الى أدنى درجات التسلسل وأبسط المنفذين".
· "يرفع التفتيش من معنويات الأفراد الذين يعملون بصمت واخلاص، وخاصة اذا تلاه اشعار لبق بأن الرئيس قد لاحظ التفوق والعمل الحسن، وقدر الكفاءات حق قدرها".
وبمناسبة الكلام عن الفن الخامس الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن التأنيب يقول:
· "التأنيب والملاحظة واجبان من واجبات الرئيس. ومن لم تكن لديه الشجاعة الكافية ليؤنب مرؤوسيه، فقد مهمته كرئيس، وخلق حوله جواً ملائماً للمخالفة والاهمال وما يتبعهما من فوضى خطيرة هو أول ضحاياه. إن الاهمال لا يجلب المحبة بل يؤدي الى الاحتقار العميق".
· "يجب أن تعطى الملاحظة الضرورية بدون تأخير. ويعتقد من يتلقى التأنيب بعد مرور مدة طويلة على خطئه بأن رئيسه قد تقبل تصرفه في بادئ الأمر، ثم غير رأيه تحت تأثير خارجي".
· "أنبوا ولكن دون قسوة. فقد تجرح الملاحظة القاسية كرامة المرؤوس، وتدفعه الى التقاعس أو التمرد".
· "يعطي التأنيب الذي لا يتناسب مع الخطأ نتيجة عكسية، اذ يثور الرجل أمام المبالغة، ويفقد ثقته بعدالة رئيسه، وهذا ما يجعله ينسى أو يتجاهل خطأه".
· "لا تؤنبوا وأنتم في سورة الغضب، أو في حالة عصبية متوترة، حتى لا تبالغوا مبالغات تسيء اليكم والى مرؤوسيكم".
· "يجب أن يكون أمام المؤنب هدف واحد، هو تعليم المرؤوس وتدريبه. وعليه أن يراقب التأنيب في نفس المرؤوس وتصرفاته، ليعرف مقدار الفائدة التي جناها منه".
· "احذروا من الهزء والسخرية أثناء التأنيب، لأنهما هدامان، في حين أن هدف التأنيب هو البناء والتدريب والاصلاح".
· "يجب أن تكون الملاحظة تعليمية، وأن تنتهي بنداء مشجع لما في المرؤوس من مزايا حسنة، حتى لا نخلق عنده مركبات نقص تدفعه الى الحذر أو التقاعس أو الكراهية".
وبمناسبة كلامه عن الفن السادس الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن العقوبة يقول:
· "العقوبة واجب من واجبات الرئيس، ينفذه لتأمين النظام والعدالة وهو متألم في قرارة نفسه، كالأب الذي يفرض القصاص على أولاده لمصلحتهم وهو آسف لاضطراره الى سلوك هذا السبيل".
· "لا تكثروا من العقوبات، فالافراط فيها مثبط للهمم ومزعزع للثقة بالنفس، افرضوا عقوبة واحدة شديدة تكون مثلاً رادعاً للآخرين. ثم أظهروا استياءكم من الذنوب المرتكبة بنظرة حادة أو كلمة عابرة تذكر المذنب بما يمكن أن ينتظره اذا أخطأ ثانية".
· "ليست المعاقبة حقاً من حقوق الرئيس فحسب، ولكنها أيضاً واجب مؤلم ولكنه ضروري لا يحق له التخلي عنه. وعلى المذنبين أن يعلموا أن عقوبتهم غير صادرة عن الرئيس شخصياً، بل عن القوانين والأنظمة التي يخدمها ويمثلها، والتي ينهار بدونها نظام المجموعة ووحدتها".
· "لا تعاقبوا الرئيس أمام مرؤوسيه، حتى لا ينهار مبدأ السلطة، وتتحطم سلسلة القيادة".
· "يجب ألا تلحق السمعة السيئة والفكرة السابقة المرؤوس طوال حياته. فالعقوبة وسيلة من وسائل اصلاح الفرد للتخلص من اخطائه، وليست طريقة الى سجنه فيها الى الأبد. ومن الضروري أن يشعر المسيء بأن حياته ستبدأ من جديد بمجرد انتهاء العقوبة، وكأنه لم يرتكب ذنباً".
وبمناسبة الكلام عن الفن السابع الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن السيطرة على الشغب والمقاومة المضادة يقول:
· "اذا شعر المشاغب بخشيتكم منه كبرت مقاومته وازدادت شراسته".
· "انتظروا ملاقاة اناس غير راضين، ومشاغبين ومعارضين يشوهون أفكاركم ويحرفون أقوالكم مهما كان عملكم طيباً ووجدانكم حياً، فالسخافات البشرية أكثر من أن تحصى".
· "حافظوا على هدوئكم، وخذوا الأمور بالحكمة، وحاولوا كشف سر المقاومة العمياء، فغالباً ما يكون كلمة أسيء سماعها، او اشارة أسيء فهمها، أو حكماً موصوفاً بالتحيز".
· "لا تترددوا عند اكتشاف السبب، وادخلوا مع المعارضين في محادثة تضع النقاط على الحروف، وتزرع الثقة من جديد، فتنكشف الغمامة ويعود التفاهم".
· "لا تناقشوا مشاغباً أمام الآخرين. يمكنكم استدعاؤه الى المكتب لمحادثته على انفراد، لأنه لا يبوح أمام رفاقه بكل ما يجول بخاطره، ولا يعترف بخطئه أمامهم حتى لا يظهر بمظهر المهزوم أمام الملأ".
· "كلما احتد محدثكم وثار وجب عليكم أن تهدؤوا. حاولوا عندما تناقشون شخصاً متوتر الأعصاب أن تطرحوا عليه سؤالاً يجيب عنه بكلمة نعم، فهذا اللفظ كاف لتخفيف حدته".
"هنالك نوعان من المشتكين: أولهما مشتك بالصدفة، يعتقد نفسه مغبوناً حقاً في هذه الحالة استمعوا له بكل دماثة، وحاولوا تفهم فكرته، واتخذوا الاجراء اللازم إن كانت شكايته معقولة، واشكروه لمساعدتكم على اكتشاف خطأ واحقاق عدالة. أما اذا كانت شكايته غير مستندة على أساس، فحافظوا على دماثتكم، وأفهموه استحالة اجابة طلبه، واصرفوه بالتي هي أحسن.
وثانيهما مشتك باستمرار، وكأنه مهووس بالتذمر. وتنجم هذه العادة غالباً من صدمة نفسية تصيب الأطفال الذين تألموا في حداثتهم، فهم يرغبون في الحصول على كل شيء، ويهدفون الى ارضاء نزواتهم التي كبتت بقسوة في طفولتهم، والتي تتمثل بطلب الجوائز والعطل الاضافية والرتب والعلاوات... الخ.
انهم عادة أشخاص قلقون، يرتجفون في أعماقهم هلعاً من المستقبل. وهذا ما يوجههم الى مصالحهم الخاصة، حتى يصبحوا غير قادرين على فهم وجهة نظر الآخرين. وتبلغ الرغبة بالطلب والتذمر عند بعضهم درجة تصبح معها ضرورة حيوية، فلا يشعرون بأنفسهم ووجودهم الا اذا تذمروا".
خذوا مع هؤلاء طريق الحزم، واعتمدوا عند الضرورة على القانون والأنظمة والعادات. وأقرؤوا لهم بصوت عال نصاً قانونياً يؤيد رفضكم لطلباتهم الاعتباطية، فللوثائق المكتوبة تأثير كبير على النفوس. واظهروا لهم في النهاية بأن اجابتهم لما يريدون مضر بمصلحة الآخرين. إنهم لن يقتنعوا رغم هذا بصورة نهائية. ولكن الشكوك تساورهم، ويعمل الزمن على قلب هذه الشكوك الى حقائق.
· هنالك أشخاص يتمتعون بصفة من صفات الرئيس، فيقارنون بينه وبينهم، وكلهم ثقة بأنهم أهل للقيادة، وتراهم يتألمون من وضعهم كمرؤوسين مظلومين، اعملوا مع هؤلاء بحكمة وحزم بآن واحد.
فالحكمة ضرورية حتى يشعروا بأنكم تحترمون امكاناتهم الحقيقية، ولكي يؤمنوا بأنكم ستسلمونهم عندما تسمح الظروف قيادات تلائم مواهبهم. والحزم لازم حتى يعرفوا أن السلطة بيدكم، ولن تسمحوا لأحد بمشاركتكم اياها.
· "الرئيس المحترم لقيمته الفكرية والمعنوية، والمحبوب لانضباطه وطيبة قلبه واخلاصه، قادر على اخماد المقاومات بكل سهولة".
وبمناسبة الكلام عن الفن الثامن الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن التشجيع والمكافأة يقول:
· "هنالك رؤساء لا تتفتح عبقرياتهم ويظهر نشاطهم الا عند التأنيب أو المعاقبة، ثم لا يجشمون أنفسهم مشقة المكافأة أو المديح، مهما كان عمل المرؤوس جيداً ورأيه مصيباً، تدفعهم الى ذلك الفكرة الخاطئة التي تعتبر قيام الانسان بعمله على أحسن وجه واجباً لا يستحق عليه أي ثناء. ولكن القيام بالمهمة بالشكل الأمثل أمر صعب، والكائن البشري بحاجة الى الشعور بدعم رؤسائه وتقديرهم، ليتأكد من أنه يسير على الطريق المستقيم، وليأخذ من تشجيعهم زاداً يعينه على تخطي الصعوبات".
"هل يجب اذن توزيع المكافآت والثناءات ذات اليمين وذات اليسار؟.. والجواب: كلا حتى لا تفقد المكافأة تأثيرها وقيمتها. ولكن على الرئيس أن يحسن اختيار اللحظة المناسبة لاظهار رضاه، بعد جهد كبير، أو تخطي عقبات جسام مادية أو معنوية، أو تحسن في السلوك، أو تقدم في العمل".
وبمناسبة الكلام عن الفن التاسع الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن الاستعانة بمواهب المساعدين يقول:
· "لا يمكن للرئيس أن يعمل كل شيء، فهو يرى الأمور من مكان مشرف بعيد. إن عليه أن يفكر ويضع المخططات، فاذا ما بذل جهده في دقائق الأمور، أضاع قسطاً من وقت عمله الأساسي، وقام بجزء من عمل مساعديه، وفقد بعد النظر وعمق الفكرة اللذين يتنافيان مع الاهتمام بالتفصيلات البسيطة".
· "لا يهتم الرئيس بالدقائق التي يستطيع أحد مرؤوسيه الاهتمام بها بشكل جيد. إن عليه أن يكرس وقته لحل المعضلات التي يتعذر على الآخرين حلها".
· "على الرئيس ألا يعتقد بأن العمل فاشل حتماً ما لم يتدخل فيه شخصياً، لأن كبر مسؤوليته يتطلب جل وقته وجهده، ومن واجبه أن يقتصد في هذا الوقت والجهد، فلا يبذلهما الا في الأعمال التي لا يستطيع غيره تنفيذها. وهكذا قد لا يعمل الرئيس بنفسه شيئاً، ولكنه يعمل في الحقيقة كل شيء بواسطة الآخرين".
· "يحسن الرئيس الناجح اختيار مرؤوسيه وتدريبهم واستخدامهم حسب امكاناتهم. وكلما ازدادت مهارته في الاختيار والتعيين حسب المواهب ازداد حظه في النجاح. وهنا يمكن التمييز بين رئيسين: أولهما ناجح يحسن الاستعانة بمساعديه، والآخر فاشل يتذمر منهم".
· "يتقن الرئيس الناجح فن تدريب مساعديه على اتخاذ قرارات مشابهة لقراراته، والتصرف بشكل يشابه تصرفاته. ولذا تكون أوامره خالية من الدقائق الصغيرة، ومحتوية على فكرته الرئيسية. فيقوم الجميع رغم ذلك بتنفيذ ما كان يريد، حتى لو كان غائباً".
· "اذا كان اختيار المساعدين قضية حساسة فان – ترفيعهم – مشكلة تحتاج الى تمعن ودراية. اذ يضع الترفيع رجالاً في مهمات أكبر من امكاناتهم، فينهارون تحت أعبائها، أو يضيعون في متاعبها، أو يأخذهم الغرور فيظنون أنفسهم أهلاً حقاً للمركز الذي يحتلونه، وما أخطر غرور الجاهل. كذلك يؤدي الترفيع المتأخر جداً الى فقدان الحماسة والاندفاع اللازمين للصعود نحو قمة المهمة الجديدة".
· "على الرئيس أن يوسع أفكار مساعديه ومعلوماتهم، فلا يقتصر في علاقته معهم على حدود الخدمة فحسب، بل يشرح لهم أيضاً كل ما يرفع مستواهم ويساعدهم على تفهم هدف مهمتهم، وسر عمله كرئيس، لأن هضم الجميع لفكرته يؤمن الوصول الى المجموعة المثالية، التي يفهم كل عناصرها ما يوده الرئيس بمجرد التلميح".
· "على الرئيس أن يدعم سلطة مساعديه، ليس في نطاق اصدار الأوامر وفرض العقوبات فحسب، بل في حقل المكافأة والتشجيع أيضاً".
· "قد يفسر البعض أحياناً أقوالكم وأفعالكم بشكل مقلوب أو مشوه، وخاصة اذا كنتم على عجلة من أمركم، ولم يكن وقتكم كافياً للشرح والايضاح، لذا كرسوا خارج أوقات العمل بضع ساعات تقضونها مع مساعديكم، وتتحدثون فيها بحرية وفي جو من الثقة والصراحة، فتكشفوا بعض الأخطاء، وتضعوا النقاط على الحروف".
وبمناسبة الكلام عن الفن العاشر الذي يجب أن يتقنه الرئيس وهو فن التعامل مع الرؤساء الآخرين يقول:
· "اذا لم يتفاهم رؤساء المصالح تعرقل العمل، وتعطلت المصلحة العامة. ويلاحظ المرؤوسون ذلك فينقسمون الى قسمين: ينضم بعضهم الى أحد الرؤساء ضد الآخر، ويدعمونه بشكل يضخم سوء التفاهم ويعرقل كل صلح، بينما يضع الآخرون جميع الرؤساء في سلة واحدة ويفقدون الثقة فيهم، لأنهم عاجزون عن التفاهم فيما بينهم".
· " لا تعتقدوا بأن من السهل التفاهم مع الرؤساء الآخرين بمجرد العمل معهم، اذ أن لكل رئيس حقيقي شخصية مستقلة. وكلما ازدادت قوة الشخصيات وحدتها، ازداد مجال احتكاكها واصطدامها".
· "اذا سادت في الجماعة عادة الانتقاد الهدام، وأهمل كل شخص عمله، والتفت لمراقبة أخطاء الآخرين، تسمم جوها، وأصبح خانقاً".
· "الصراحة بين الرؤساء أساس كل عمل، شريطة ألا تكون قاسية وجارحة، ولقد أثبتت التجارب أن العمل والتعاون مع الآخرين يتطلب تهذيباً رفيعاً، بعكس ما يعتقد البعض بأن العمل المشترك يجعلنا في حل من التقاليد".
· "احذروا المناقشات الحادة والألفاظ القاسية التي تدل على فقدانكم لسيطرتكم على أنفسكم. وليكن حديثكم عاماً لا يتعرض الى أبحاث أو آراء ومعتقدات شخصية بحته".
· "عمل الفرد ضمن الجماعة معناه الاندماج في عملها وليس دمجها في أعماله. وهذا ما يتطلب نكران الذات، وتضحيات وجهوداً مستورة، وحماسة لا تنطفئ، وجنوداً مجهولين يعملون لتحقيق غاية نبيلة".
هذه لمحات من كتاب "لمحات في فن القيادة" أردنا بها أن نقدم خلاصة لاستقراءات العقل البشري من خلال التجربة لما ينبغي أن يراعيه الأمير، وما يلزمه لينجح في امرته، ولقد خشينا إن فاتنا مثل هذا الفصل أن تبقى ثغرة في الكتاب كأن يغيب فيه جانب مما ينبغي أن يتذكره كل من ابتلي بنوع من أنواع الأمرة.