7-تمنع الأثرة والأنانية
الأثرة والأنانية من الأدواء الفتاكة على مستوى الأمم والأفراد، وإذا حلاّ بقوم لا تجد الهناءة تملأ قلوبهم حتى لو ملكوا الدنيا في أيديهم.
فبالأثرة والأنانية ينظر المرء للدنيا نظرة ضيقةº حيث لا يرى إلا نفسه، وكذلك يمنعانه من التعاون في الحياةº حيث يعيش الجميع منفردين، كأنهم يعيشون في جزر منعزلة بعضها عن بعض.
وعنهما تنتج أمراض خطيرة تضخم الكيان الفردي وتزلزل كيان المجتمعº فالأناني يفت في كبده أن يرى غيره مثله، بله أحسن منه، ويكاد يموت غيظًا وكمدًا لذلك.
والأناني سلبيº حيث يقبع في ذاته متصورًا أنها ذات تستحق كل خير، وأنها أولى بالهناءة والسعادة من غيرها.
ولكن الذي تسامت نفسه وتطلعت إلى المعالي يرى أنه بنفسه لا قيمة له، ولكنه بإخوانه يصنع المستحيلº حيث تتحقق الأحلام والآمال.
ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى الأنصار عندما فنيت نفوسهم الفردية في النفس الجماعية التي تآلفت بفضلٍ من الله ومنة، فضربوا أعظم الأمثلة في الحب في الله على غير أرحام تجمعهم أو مصالح تربطهم، قال تعالى: {وَالَّذöينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مöنْ قَبْلöهöمْ يُحöبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إöلَيْهöمْ وَلا يَجöدُونَ فöي صُدُورöهöمْ حَاجَةً مöمَّا أُوتُوا وَيُؤْثöرُونَ عَلَى أَنْفُسöهöمْ وَلَوْ كَانَ بöهöمْ خَصَاصَةñ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسöهö فَأُولَئöكَ هُمُ الْمُفْلöحُونَ}[الحشر: 9].
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من الذي يعيش لنفسهº لأنه ما استحق أن يعيش من عاش لنفسه فقط، فقال: "لا يُؤْمöنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحöبَّ لأَخöيهö مَا يُحöبُّ لöنَفْسöهö"([1]).
"وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل"([2]).
8-تمنع الظلم
هناك من تدعوه قوته ليتجبر على الضعفاء، ويبطش بهم ذات اليمين وذات الشمال، يقتل هذا، ويسبُّ هذا، ويسرق مال هذا، ويعتدي على عرض هذا غير مبال بأحدº فالكل في عينه حقير، فهو يعيش بقانون وحوش الغابº حيث يفترس القوي الضعيف، ويطبق كذلك مبدأ البقاء للأقوى، فالحياة عنده صراع دائم... صراع مع من هو أقوى منه ليتخطاه... ومع من هو دونه ليصرعه.
هل هذه هي الحياة البشرية التي نتمناها ونسعى إليها؟
إنها بهذه الصورة تطبق المبدأ الجاهلي الذي صوره الشاعر بقوله:
|
الظُلمُ مöن شöيَمö النُفوسö فَإöن تَجöد
|
ذا عöفَّةٍ فَلöعöلَّةٍ لا يَظلöمُ([3])
|
وقد "ذكر المفضل الضبي في كتابه "الفاخر" أن أول من قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وأراد بذلك ظاهره، وهو ما اعتادوه من حمية الجاهلية، لا على ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول شاعرهم:
|
إöذَا أَنَا لَمْ أَنْصُرْ أَخöي وَهْوَ ظَالöمñ |
عَلَى الْقَوْمö لَمْ أَنْصُرْ أَخöي حöينَ يُظْلَمُ"()
|
والإسلام لا يريد هذا، فهو يريد المجتمع الذي ينتصر للمظلوم من الظالم، فالمجتمع الذي يأخذ على يد الظالم لمنعه من ظلمه هو مجتمع إيجابي، وقد وضّح رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- القانون السليم بقوله: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالöمًا أَوْ مَظْلُومًا". فَقَالَ رَجُلñ: يَا رَسُولَ اللَّهö، أَنْصُرُهُ إöذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إöذَا كَانَ ظَالöمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: "تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مöنْ الظُّلْمö فَإöنَّ ذَلöكَ نَصْرُهُ"().
ففي هذا الحديث النبوي الشريف الذي خرج من مشكاة النبوة أمر لطيف حانٍ من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لكل مسلم أن ينصر أخاه المسلم عندما يكون مظلومًا برد حقه إليه، والاقتصاص له من المعتدي عليه، وأن ينصره أيضًا عندما يكون ظالمًا بالأخذ على يديه، ونهيه عن غيه، وتماديه في الباطل، وهذا ما جعل أحد الصحابة يندهش ويستفسر من الرسول المعلم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بقوله: " أَفَرَأَيْتَ إöذَا كَانَ ظَالöمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟"، وهذا ما أجاب عنه وبينه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في نص الحديث.
فهذه دعوة محمدية من معلم البشرية الأعظم ومربيها الأكرم إلى التحلي بالإيجابية والعمل بها وعليهاº ليسود التراحم والتواصل والتعاون. وهذا ما أمرنا به ربنا I في قوله: {وَإöنْ طَائöفَتَانö مöنَ الْمُؤْمöنöينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلöحُوا بَيْنَهُمَا فَإöنْ بَغَتْ إöحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتöلُوا الَّتöي تَبْغöي حَتَّى تَفöيءَ إöلَى أَمْرö اللَّهö فَإöنْ فَاءَتْ فَأَصْلöحُوا بَيْنَهُمَا بöالْعَدْلö وَأَقْسöطُوا إöنَّ اللَّهَ يُحöبُّ الْمُقْسöطöينَ (9) إöنَّمَا الْمُؤْمöنُونَ إöخْوَةñ فَأَصْلöحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}[الحجرات: 9-10].
فالله I بين لنا في هذه الآيات المباركات أن الأخذ على يد الظالم وإنصاف المظلوم يؤديان إلى نيل رحمة الله I التي وسعت كل شيء، فهنا ثلاث فئات: فئة باغية (ظالمة)، وفئة مبغي عليها (مظلومة)، وفئة تسعى بين تلك الفئتين، فلو أن تلك الفئة لم يكن لها قوة تمنع الظلم والعدوان لفشا الظلم والبغي ولطال الجميع، ولكن قوتها في الحق تؤدي لنصرة المظلوم وردع الظالم.
9-تؤدي إلى العدل والإنصاف
جاء الإسلام برسالة السلام للإنسانية جمعاء، ولا يتحقق السلام إلا تحت مظلة العدل، ولا تنهض الأمم إلا بالعدل حتى ولو كانت كافرة، وكما قيل: إن الله ليرفع الأمة الكافرة بعدلها، ويضع الأمة المؤمنة بظلمها.
والعدل مما أمر الله سبحانه وتعالى به وحض عليه، وأكد على أن الجميع مكفولو الحق في نوال العدل من الحاكم، سواء في ذلك المسلم والمعاهد والكافر، قال تعالى: {وَإöذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسö أَنْ تَحْكُمُوا بöالْعَدْلö إöنَّ اللَّهَ نöعöمَّا يَعöظُكُمْ بöهö}[النساء: 58].
ومن أهم الأسباب الرئيسة المباشرة في انتكاس الأمم وسقوطها بعد نهضتها هو انحرافها عن منهج العدل.
وأعظم العدل أن ينتصر المرء من نفسه لغيره، وإن لم يكن على دينه ومذهبه، قال تعالى: {وَلا يَجْرöمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدöلُوا اعْدöلُوا هُوَ أَقْرَبُ لöلتَّقْوَى}[المائدة: 8].
يقول صاحب الظلال: "ومن الميثاق الذي واثق الله به الأمة المسلمة القوامة على البشرية بالعدل، العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه مع المودة والشنئان، ولا يتأثر بالقرابة أو المصلحة أو الهوى في حال من الأحوال، العدل المنبثق من القيام لله وحده بمنجاة من سائر المؤثرات، والشعور برقابة الله وعلمه بخفايا الصدور.."().
وقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: "إöنَّ الْمُقْسöطöينَ فöي الدُّنْيَا عَلَى مَنَابöرَ مöنْ لُؤْلُؤٍ يَوْمَ الْقöيَامَةö بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنö بöمَا أَقْسَطُوا فöي الدُّنْيَا"()، "إöنَّ الْمُقْسöطöينَ عöنْدَ اللَّهö عَلَى مَنَابöرَ مöنْ نُورٍ عَنْ يَمöينö الرَّحْمَنö سبحانه وتعالى -وَكöلْتَا يَدَيْهö يَمöينñ- الَّذöينَ يَعْدöلُونَ فöي حُكْمöهöمْ وَأَهْلöيهöمْ وَمَا وَلُوا"().
ففي هذين الحديثين الشريفين بشارة من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- للمقسطين الذين يعدلون في حكمهم ولا يتبعون أهواءهم بأن لهم الفضل العظيم والخير العميم عند الله تعالى.
وفي هذا الحديثين أيضًا حث على العدل والقسط والإنصاف، وعدم الحيف والظلم والجورº فالعدل أساس الملك، والناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح، والمجتمع الذي يسود فيه الإنصاف ويرفرف عليه العدل والقسط مجتمع جدير بالتقدم والرقي والازدهار، ولم لا وقد ساد فيه العدل والإنصاف اللذان يؤديان إلى تكافئ الفرص وإعطاء كل ذي حق حقه؟ فلا حسد فيه ولا ضغينة، إنما حب ووفاء وتضحية وفداء.
(يتبع)
محمد فتحي النادي
باحث في الفكر الإسلامي
Mf_elnady@hotmail.com
() أخرجه البخاري في "الإيمان"، باب: "من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ح(12)، ومسلم في "الإيمان"، باب: "الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب..."، ح(64).
() الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي: صحيح مسلم بشرح النووي، خرج أحاديثه: صلاح عويضة، راجعه لغويًا: محمد شحاتة، دار المنار، القاهرة، 1423ﻫ-2003م، (2/213).