ما من شك أن أحدًا منا إلا ويحب نفسه، ويتمنى لها الخير والسعادة والهناءة، ولكن ما درجة هذا الحب، وإلى أي مدى يصل، هل هو حب بنّاء فاعل يربط هذه النفس بالنفس الجماعية؟
أم أنه حبّñ يصل بالنفس إلى درجة أنها لا ترى إلا نفسها فلا يعمل صاحبها إلا لها متوسلاً بذلك بأية وسيلة سواء كانت حلالاً أم حرامًا، المهم أن يصل إلى إمتاعها بكل الملذات دون الارتداع برادع من سلطة أو قانون؟
لابد أن الدافع لهذا الصنف الأخير هو حب الذات، حبًّا يصل لدرجة تنذر بعواقب وخيمة، فلقد سيطر على هذه الذات الأثرة والأنانية، وهما من الأدواء الفتاكة على مستوى الأمم والأفراد، وإذا حلاّ بقوم لا تجد الهناءة تملأ قلوبهم حتى لو ملكوا الدنيا في أيديهم.
فبالأثرة والأنانية ينظر المرء للدنيا نظرة ضيقةº حيث لا يرى إلا نفسه، وكذلك يمنعانه من التعاون في الحياةº حيث يعيش الجميع منفردين، كأنهم يعيشون في جزر منعزلة بعضها عن بعض.
وعنهما تنتج أمراض خطيرة تضخم الكيان الفردي وتزلزل كيان المجتمعº فالأناني يفت في كبده أن يرى غيره مثله، بله أحسن منه، ويكاد يموت غيظًا وكمدًا لذلك.
والأناني سلبيº حيث يقبع في ذاته متصورًا أنها ذات تستحق كل خير، وأنها أولى بالهناءة والسعادة من غيرها.
لقد جعل ذاته مقصودة، وتوجه إليها بكُلّöيته، وجعل إرضاءها أكبر همه ومبلغ علمه، فلا يكاد يعصي لها أمرًا، وفي هذا الصنف قال أبو الفتح البستي:
يا خادöمَ الجöسْمö كمْ تشقى بخöدْمَتهö لöتطلُبَ الرَّبحَ في ما فöيه خُسْرانُ
نعم... يا لخسارة من يسعى لخدمة ذاته فحسب، فإنه يكتب على نفسه الفناء وإن كان يدب على وجه الأرض.
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من الذي يعيش لنفسهº لأنه ما استحق أن يعيش من عاش لنفسه فقط، فقال: "لا يُؤْمöنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحöبَّ لأَخöيهö مَا يُحöبُّ لöنَفْسöهö"([1])، "وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل([2])"([3]).
ولكن الذي تسامت نفسه وتطلعت إلى المعالي يرى أنه بنفسه لا قيمة له، ولكنه بإخوانه يصنع المستحيلº حيث تتحقق الأحلام والآمال.
ولذلك مدح الله U الأنصار عندما فنيت نفوسهم الفردية في النفس الجماعية التي تآلفت بفضلٍ من الله ومنة، فضربوا أعظم الأمثلة في الحب في الله على غير أرحام تجمعهم أو مصالح تربطهم، فهم الذين قال الله -تعالى- فيهم: ﴿tûïÏ%©!$#ur râä§qt7s? u#¤$!$# z`»yJM}$#ur `ÏB ö/ÅÏ=ö7s% tbq7Ïtä ô`tB ty_$yd öNÍkös9Î) wur tbrßÅgs Îû öNÏdÍrßß¹ Zpy_%tn !$£JÏiB (#qè?ré& crãÏO÷sãur #n?tã öNÍkŦàÿRr& öqs9ur tb%x. öNÍkÍ5 ×p|¹$|Áyz 4 `tBur s-qã £xä© ¾ÏmÅ¡øÿtR Í´¯»s9"ré"sù ãNèd cqßsÎ=øÿßJø9$#﴾ [الحشر: 9].
فهم أنكروا ذواتهم ولم يروا إلا إخوانهم، ورأوا أن الفناء في الآخرين هو عين الوجود والبقاء.
جاهد النَّفس جاهدًا فإذا ما فَنöيت عَنكَ فهي عينُ الوجودö
ألم يخلد الله -تعالى- ذكرهم في كتابه ممتدحًا إياهم، وأوصى بهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خيرًا فقال: "وَالَّذöى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بöيَدöهö إöنّöى لأُحöبُّكُمْ، إöنَّ الأَنْصَارَ قَدْ قَضَوْا مَا عَلَيْهöمْ وَبَقöيَ الَّذöي عَلَيْكُمْ، فَأَحْسöنُوا إöلَى مُحْسöنöهöمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسöيئöهöمْ"([4])؟!
فنحن اليوم في أشد الحاجة لهذا الصنف الذي به تُبنى الأمم، وعلى أكتافه تقوم النهضات وتنشأ الحضارات، هذا الصنف الذي يعمل ولا ينتظر جزاء ولا شكورًا إلا من رب العالمين، فهو وحده الذي يكافئهم على ما قدموه لمجتمعاتهم وأوطانهم.
محمد فتحي النادي
باحث في الفكر الإسلامي
Mf_elnady@hotmail.com
() أخرجه البخاري في "الإيمان"، باب: "من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ح(12)، ومسلم في "الإيمان"، باب: "الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب..."، ح(64).
() "الدَغَلُ بالتحريك: الفَسادُ، مثل الدَخَلö. يقال: قد أَدْغَلَ في الأمر، إذا أَدْخَل فيه ما يخالفُه ويُفسöده" [الصحاح، مادة (دغل)].
() الإمام محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي: صحيح مسلم بشرح النووي، خرج أحاديثه: صلاح عويضة، راجعه لغويًا: محمد شحاتة، دار المنار، القاهرة، 1423ﻫ-2003م، (2/213).
() أخرجه أحمد في مسنده، ح(12973)، وقد علق عليه الشيخ شعيب الأرنؤوط فقال: "إسناده صحيح على شرط البخاري".