12-تجعل المرء يتحمل مصاعب الحياة ويتغلب عليها
الحياة لا تسير دائمًا على وتيرة واحدةº فيوم حلو وآخر مر، وكما قال الشاعر أبو البقاء الرندي:
|
لöكُلّö شَيءٍ إöذا ما تَمّ نُقصانُ هöيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلñ
|
فَلا يُغَرَّ بöطيبö العَيشö إöنسانُ مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
|
والإنسان السلبي هو الذي تغلبه الأزمات، وتصرعه الملمات، وربنا سبحانه وتعالى يأمر المسلمين بقوله: {وَلا تَهöنُوا وَلا تَحْزَنُوا}[آل عمران: 139]، تهنوا، أي: تضعفواº فالوهن هو سبب تكالب الأعداء عليناº فالهزيمة داخلية قبل أن تكون خارجية، وهذا هو الواضح من قوله -صلى الله عليه وآله وسلم: "يُوشöكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إöلَى قَصْعَتöهَا". فَقَالَ قَائöلñ: وَمöنْ قöلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئöذٍ؟ قَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئöذٍ كَثöيرñ، وَلَكöنَّكُمْ غُثَاءñ كَغُثَاءö السَّيْلö، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مöنْ صُدُورö عَدُوّöكُمْ الْمَهَابَةَ مöنْكُمْ، وَلَيَقْذöفَنَّ اللَّهُ فöي قُلُوبöكُمْ الْوَهْنَ" فَقَالَ قَائöلñ: يَا رَسُولَ اللَّهö، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: "حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهöيَةُ الْمَوْتö"().
فما قيمة العدد الكثير الذي لا يقوى على تحمّل المشاق، وينكص على عقبيه عند ملاقاة الأهوال، وكما يقال: العبرة بالكيف لا بالكم، وهذا معلوم من قوله تعالى: {كَمْ مöنْ فöئَةٍ قَلöيلَةٍ غَلَبَتْ فöئَةً كَثöيرَةً بöإöذْنö اللَّهö وَاللَّهُ مَعَ الصَّابöرöينَ}[البقرة: 249].
فبتوطين المرء نفسه على الجلَد والصبر والمثابرة يكون قد أخذ عدته التي بها يلاقي أصعب الظروف وأحلكها، ويخرج من تلك المعركة منتصرًا ظافرًا.
|
وَهَلö الْفَتَى الْكَشَّافُ إöلاَّ مَنْ رَمَى
|
مَرْمَىً وَلَمْ يَخْشَ اعْتَرöاضَ مَصَاعöب()
|
|
وَلاَ زöلْتَ تَجْنöي النَّصْرَ مöنْ شجَر الْقَنَا
|
وَتُدْنöي الأَمَانöي وَهْيَ شُمسñ مَصَاعöب()
|
|
فأَعياهُ ما لاقَى فَلَمْ يُثْنö عَزْمَهُ
|
مَصاعöبُ حالتْ دُونَ ما هُوَ راغöبُه()
|
|
وبالصبر الجميل حملت نفسي
|
فنلت به المآرب والخلالا()
|
ومن أعظم الصور على تحمل المصاعب في سبيل الدعوة التي آمن بها أصحابها هؤلاء السحرة الذين ظهر لهم الحق فاتبعوه، وبان لهم الصدق فانتهجوه، رجال اختاروا ما عند الله، وصبروا وصابروا، وتحملوا الأذى في أبشع صوره، وذاقوا الموت في أفظع أشكاله وألوانه، لكن برد اليقين، وعظيم التوكل، ونعيم المأوى أفقدهم شدة العذاب الملقى عليهم، فأصبحوا حالمين بغد وردي دائم سرمدي، لا نصب فيه ولا وصب، فتحدوا الموت، وضحكوا في وجهه بقلوب راضية، وأنفاس مطمئنة، وأعضاء صابرة شاكرة تعلم أنها منقولة من دار المعاناة إلى دار المحاباة، منقولة من الفانية القذرة إلى الباقية العطرة، إلى نعيم الله المقيم، ورضوانه المستديم، لسان حالهم يقول:
اللهم لا عيش إلا عيشك، ولا رزق إلا رزقك.
حدثنا القرآن عنهم فاسمعه يقول: {قَالُوا يَا مُوسَى إöمَّا أَنْ تُلْقöيَ وَإöمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإöذَا حöبَالُهُمْ وَعöصöيُّهُمْ يُخَيَّلُ إöلَيْهö مöنْ سöحْرöهöمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فöي نَفْسöهö خöيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لا تَخَفْ إöنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى (68) وَأَلْقö مَا فöي يَمöينöكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إöنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحöرٍ وَلا يُفْلöحُ السَّاحöرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقöيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بöرَبّö هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إöنَّهُ لَكَبöيرُكُمُ الَّذöي عَلَّمَكُمُ السّöحْرَ فَلأقَطّöعَنَّ أَيْدöيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مöنْ خöلافٍ وَلأصَلّöبَنَّكُمْ فöي جُذُوعö النَّخْلö وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى}[طه:65-73].
13-تجعل المرء يُؤمّöن حصنه الداخلي (الأسرة) بحسن التربية والإعاشة
المرء اليقظ المتنبه الذي يعرف غايته في هذه الحياة الدنيا ويعمل لها يعرف أنه -إن فقد السيطرة على حصنه- لن يجد الملاذ الآمن الذي يفر إليه من مصاعب الحياة، ليعيد فيه حساباته وترتيباته، ويعاود الكرة في هذه الحياة ليبلغ رسالته المنوطة به.
وتأمين هذا الحصن يأتي عن طريق التربية الإسلامية السليمة القائمة على أسس ربانية، وكذلك الإنفاق على الأهل، وتوفير احتياجاتهم حتى لا يكونوا عالة يتكففون الناس.
يقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولñ عَنْ رَعöيَّتöهö... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فöي أَهْلöهö وَهُوَ مَسْئُولñ عَنْ رَعöيَّتöهö..."()، ويقول كذلك: "كَفَى بöالْمَرْءö إöثْمًا أَنْ يُضَيّöعَ مَنْ يَقُوتُ"()، ففي هذين الحديثين النبويين الشريفين بيان شامل من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على أن الإنسان المسلم مسئول أمام الله عن أبنائه وأهله، وعندما يعلم الإنسان أنه مسئول لاشك أنه لن يدخر وسعًا في السعي الدءوب، والعمل المستمر الجاد من أجل إيجاد وإتاحة حياة كريمة لأهله تليق ببني الإنسان، وتشعره بعظم المسئولية الملقاة على عاتقه، فهو حينئذ سيسعى السعي كله من أجل النهوض بالمسئولية التي فرضت عليه.
فالأبناء ثمرة فؤاد آبائهم، ومصدر فرحتهم وسعادتهمº فالآباء يفرحون بفرح أبنائهم، ويحزنون لحزنهم، ومن هنا يستسهلون الصعاب، ويستحلون المر من أجل سعادتهم، والإبقاء على فرحتهمº حيث يقول الشاعر:
|
وإنما أولدنا بيننا
|
أكبادنا تمشي على الأرض()
|
|
لقد زاد الحياة إليّ حبًّا
|
بناتي إنهن من الضعاف()
|
فمن هنا، الإيجابية تشعر المرء أنه مسئول، وتبين له مكانته المنوطة به مما يدفعه ويحثه على العمل الدءوب المتواصل، والصبر على الصعاب، حتى يؤدي ما عليه من واجبات، فأنعم بها صفة، وأكرم بها دافعًا وحافزًا، وأجمل بها تبعة، تلك هي الإيجابية.
14-تمنع المرء من الوقوع في اليأس والقنوط
من ذاق طعم الفشل عرف لذة النجاح، والنجاح كوميض البرق ما يلبث أن يظهر حتى يختفيº فالمحافظة على النجاح تحتاج إلى صبر ومثابرة وعزم أكيد، وكما قيل: الوصول إلى القمة سهل، ولكن الحفاظ عليه هو الصعب.
والمرء إذا أخطأ طريق النجاح مرة لابد أنه سيصيبها في مرة أخرى قادمة، فالمهم ألا نيأس، وألا يدب القنوط في نفوسناº فاليأس والقنوط عقبة كئود في طرق نجاح الدعوات، ولو أن كل صاحب دعوة ربانية، أو غاية نبيلة، أو هدف سامٍ قابلته مشكلة يترك ما يريد أو ما أُريد له من شدة الإحباط لما بُلّغت الرسالات ولا عرفت الشرائع، ولنا الأسوة والقدوة في أصحاب الدعوات الربانيين من الأنبياء والرسل الذين واجهوا مجتمعاتهم المنحرفة عن النهج السليم وحدهم، فمنهم من فتح الله له القلوب بعد انغلاقها، ومنهم من لم يزدهم دعاؤه إلا فرارًا، ولكنه لم ييأس ولم يفتر حتى جاءه الفرج من الله سبحانه وتعالى.
ولقد قال الله I على لسان يعقوب u في خطابه لأبنائه في معرض توصيتهم، وحثهم على الصبر، وعدم اليأس في رحلة البحث الشاقة عن أخويهم: {يَا بَنöيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مöنْ يُوسُفَ وَأَخöيهö وَلا تَيْئَسُوا مöنْ رَوْحö اللَّهö إöنَّهُ لا يَيْئَسُ مöنْ رَوْحö اللَّهö إöلا الْقَوْمُ الْكَافöرُونَ}[يوسف: 87].
ففي هذه الدعوة الحانية التي خرجت من فم أب حانٍ دافع مكين، وحافز متين، وناصر مبين لأبناء مساكين غرباء مستضعفين، تركوا أوطانهم وغادروا ديارهم، وقد كثر واترهم، وقلّ ناصرهم، وصعبت مسالكهم، وتاه دليلهم، وطال طريقهم، فبدلهم أبوهم بخوفهم أمنا، وبضلالتهم هدى، وبيأسهم رجاء عندما ذكرهم بمن يطمئن الخائفون في رحابه، ولا يرد السائلين عن بابه، ولا يُسلم المتحصنون بجنابه، الذي جعل أهل القرآن أهله وأحبابه، الله رب العالمين.
فالإنسان الإيجابي يعلم أن الأمور تجري بمقاديرها، وأن بعد العسر يسرًا، وهو بذلك محصن ضد اليأس، لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاًº لأنه وضع نصب عينيه قول القائل:
|
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ضاقت فلما استحكمت حلقاتها |
ذرعًا وعند الله منها المخرج فرجت وكنت أظنها لا تفرج
|
والإيجابية تجعل المرء يكرر محاولاته كلما باءت إحداها بالفشل، ولا تقعد به الهموم.
وكما قال الشاعر:
|
لا تَيأسن وَإöن تَصعبت المُنى
|
فالصَعبُ قَد يَرتاضُ بَعدَ نöفار()
|
وقال غيره:
|
مالö العزائمö والهöمَّات خامدةñ لكنْ عسَى الله أن يأتöي بنُصْرَتöهö واسمعْ مقالَيَ لا تبغöي به بدلاً
|
والجورُ والظلمُ في الدنيا قد اتَّسقَا
لا تَيْأَسَنَّ وكُنْ بالله مستبقًا سَلّö الهمومَ وخَلّö الغيظَ والحَنَقَا()
|
وقال أبو العتاهية:
|
يا صاحب الهمّ إنّ الهمّ منقطعñ اليأس يقطع أحيانًا بصاحبه اللّه حسبك ممّا عذت منه به هنّ البلايا ولكن حسبنا اللّه هوّن عليك فإنّ الصانع اللّه يا نفس صبرًا على ما قدّر اللّه يا ربّ مستصعب قد سهّل اللّه إذا بكيت فثق باللّه وارض به الحمد للّه شكرًا لا شريك له
|
أبشر بذاك فإنّ الكافي اللّه لا تيأسنّ كأن قد فرّج اللّه وأين أمنع ممّن حسبه اللّه واللّه حسبك، في كلٍّ لك اللّه والخير أجمع فيما يصنع اللّه وسلّمي تسلمي فالحاكم اللّه وربّ شرّ كثير قد وقى اللّه إنّ الذي يكشف البلوى هو اللّه ما أسرع الخير جدًّا إن يشا اللّه ([12])
|
وقال آخر:
|
ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالö
|
يَعöشْ أبَدَ الدَّهرö بَيْنَ الحُفَرْ()
|
(يتبع)
محمد فتحي النادي
باحث في الفكر الإسلامي
Mf_elnady@hotmail.com