أعادوني إلى مكتب شمس بدران ، فأشار بطرف إصبعه ، في حركة تمثيلية، إلى كرسي أمام مكتبه ، فجلست ثم أخذ جلال الديب وحسن خليل يحاولان إقناعي بأن أكتب ما يريده الباشا . . ويكرران بأن ذلك في مصلحتي! ! فقلت لهما: لن أكتب شيئا لا أعرفه . . فقال لي : إننا عرفنا كل شئ، واعترف الإخوان بكل شئ، اقرأ لها الملفات ! !
ملف عبد الفتاح إسماعيل وملف مجدي عبد العزيز، وأحمد عبد المجيد وملف سيد قطب ، وملف محمد هواش ، وصبري عرفه ، وعبد المجيد الشاذلي ، وفاروق المنشاوي ، ومرسي مصطفى مرسي ، على حد زعمهم ، ثم قال شمس بدران : اقرأ لها أقوالهم ، وقرأ جلال الديب أقوال على عشماوي! ! أذهلني ما سمعت إ!
ولما فرغ قال شمس بدران - وهو يغمض إحدى عينيه ويهز رأسه -: ما رأيك في هذه الأقوال ؟ !
فقلت على الفور: هذا كله كذب وافتراء.
فقال شمس بدران : تريدين أن تنكري أنك أسست تنظيم الإخوان ؟ إليك كلام شيخكم يقطع بأنك أنت التي أسست التنظيم . . اقرأ لها أقوال الهضيبي يا جلال . وبعد عدة دقائق قال له : انتظر. . اترك هذا الملف واقرأ لها أقوال عبد الفتاح إسماعيل ، وأخذ جلال يقرأ. . وبعد قليل سألني شمس بدران : ما رأيك ! ! . . لم أجب . . قال يا جلال . . اقرأ لها أقوال مخطط الإخوان سيد قطب ..
فأخذ جلال يقرأ ثم ينتقل من ملف إلى ملف ولما فرغ قال شمس بدران : ما رأيك فيما سمعت ؟! هل تكتبين ما نريد؟ فقلت : هذا باطل ؟؟ فقال في تهكم : وما هو الحق يا نابغة الزمان ؟ قلت : كل ما سجل هنا لعلى عشماوي، أعتقد أنه هو الباطل . . أما بقية إخواني فهم أهل الدعوة وأهل الحق . . والمسطر هذا مزور عليهم . . قال شمس : علقها يا صفوت وأنت يا حمزة هات على عشماوي وحضر الكلاب . وجاء على عشماوي . . كان على عشماوي يلبس "بيجامة من الحرير المهفهف نظيفة، أنيقة شعره ممشط لا يبدو عليه أي أثر للتعذيب ، فلما رأيته واستعرضت في حالة الآخرين ، وحالتي علمت بل تيقنت أن هذا المخلوق خان أمانة الله ، وشهد على إخوانه زورا فهوى في مهاوي الفساق الفجار، الظالمين ، وأصبح من رجال شمس بدران وذنبا من أذناب جمال عبد الناصر، الذين لا يعرفون قيما ولا أخلاقا ولا دينا .
قال له شمس بدران : يا على ، ماذا أخذت من زينب الغزالي في آخر يوم توجهت فيه إليها، وماذا قالت لك ؟
قال على عشماوي : أعطتني ألف جنيه ، وقالت لي . . النقود ستكون عند غادة عمار لتسليمها إلى بيت الهضيبي أو بيت قطب ، إذا قبضوا على اتصل بغادة أو بحميدة ستعرف أين النقود إذا احتجتم إليها" .
فقال شمس بدران : كم كانت النقود يا زينب الغزالي؟ ولماذا كنت خائفة عليها؟
فقلت : كانت النقود أربعة آلاف جنيه ، وهى قيمة اشتراكات مجموعة من الإخوان في السودان والسعودية ، لمساعدة أسر المسجونين ، ومصاريف الطلبة في المدارس والجامعات ، وإيجار بيوت ، صرفنا منها في العيد الماضي ألف جنيه على العائلات . .
وهذا الواقف أمامكم هو الذي أخذ الألف جنيه ليعطيها لعبد الفتاح إسماعيل لحساب الهضيبي .
وقال شمس بدران : أنت يا على، ماذا أكلت عند زينب الغزالي آخر مرة؟ فقال على عشماوي : أعطتني طبق أرز بالكبدة وقالت لي : كل ، ربنا يعينك .. ثم قال : كفاية! ! اخرج يا على، فخرج على عشماوي مصحوبا بسلامة ورعاية شمس بدران ! !
وقال شمس بدران : هات عبد الفتاح ، يا حمزة.
وبعد لحظات عاد حمزة البسيوني بعبد الفتاح إسماعيل .(أعدم في العام 1966 مع الشهيد السيد قطب) . كان يكسوه وقار الصادقين ، ونور الموحدين ، يلبس حلة سجن زرقاء ، ممزقة ، وآثار التعذيب تنطق بمدى ما لاقاه هذا المجاهد الصادق المؤمن الموحد . . وقال يوجه القول إلى : "السلام عليكم " . قلت : "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته " .
وقال شمس بدران : ماذا كنت تعمل عند زينب الغزالي يا عبد الفتاح ؟ لماذا كنت تذهب إليها؟
ويرد عبد الفتاح بلسان صدق وحق غريب على الجاهلين : أختي في الله . . كنا نتعاون على أن نبني الشباب المسلم على مبادئ القرآن والسنة، وبطبيعة الحال كان ذلك سيفضي إلى تغيير الدولة، من دولة جاهلية إلى دولة إسلامية . .
ويقول شمس بدران في غلظة : أتخطب ؟ أنت لست على المنبر يا ابن الِ. . . . اخرج . . اخرج . . ويخرج عبد الفتاح إسماعيل كما جاء. . بعد أن وجه القول إلى "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
فقلت : "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته " .
وأخذت شمس بدران ثورة عارمة فجرت القذارة على لسانه فانساب بأبشع الألفاظ وأقذرها ! !
واسترحت . . نعم استرحت لشموخ الرجولة في عبد الفتاح إسماعيل ، مأخوذة بذروة الإيمان فيه ، وقلت في سرى "الحمد لله ! أن لله رجالا . . اللهم احفظهم لدعوتك يا الله . إن خان على العشماوي فهناك الموحدون الصابرون . . رواد الطريق وطلاب الحقيقة .
وتنبهت على صوت شمس بدران وهو يصرخ : خذوها بنت الِِِِ. . وبكره تيجي ومعها الورق مكتوب . وأعطى حسن خليل لصفوت ورقا وقلما وأعادوني إلى المستشفى وأمسكت بالورق والقلم . ماذا اكتب ؟ ماذا يريدون منا؟ أيريدون أن نغضب ربنا ونخالف ديننا! إ؟ لا والله لن نكتب إلا أننا في سبيل الله قمنا وتحت راية القران سرنا. . لا إله إلا الله . . محمد رسول الله . لن نشرك بربنا أحدا ولا نعبد إلا إياه . ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وتوفنا مسلمين . وأنتم يا فراعنة العصر اقضوا ، إنما تقضون هذه الحياة الدنيا. وغدا سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
وفى اليوم التالي جاء حمزة البسيوني ورياض وصفوت وأخذوا الأوراق وانصرفوا ، وعادوا بعد ساعة تقريبا ، وحملوني في عربة -لعجزي عن الحركة- إلى مكتب شمس بدران ، الذي رأيته يمزق أوراقا يلقيها في سلة المهملات وهو يقول : هذه أوراقك أنا سآخذ كوز دم من جسدك وتكتبين ما أريده بالدم . . وأعادوني إلى المستشفى . . ! ! تحت اللعنات وضرب السياط .