و يظل هذا الاتحاد يتِنامى حتى يكون عقداً واجب الوفاء ، فقد تكلم ابن تيمية عن ( عِقِد الأخوة ) هذا وبين أن الحقوق التي ينشؤها إذا كانت من جنس ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه لكل مؤمن على المؤمنين فإنما هي : " حقوق واجبة بنفس الإيمان ، والتِزامها بمنزلة التِزام الصلاة والزكاة والصيام والحج ، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله ، وهذه ثابته لكل مؤمن على كل مؤمن وإن لم يحصل بينهما عقد مؤاخاة " 72
فيأتي العقد يؤكدها إذن ، ولم يحصل خلاف إلا في التوارث عند عدم وجود القرابة كما كان الأنصار و المهاجرون يتوارثون بالتآخي الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أول مقدمه المدينة ، فقد قال أكثر الفقهاء بنسخ ذلك ، وأجازه أبو حنيفة و أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه .
إن هذا العقد الأخوي يزيد الواجب الإيماني ثبوتاً ، وما نراه إلا كبيعة سلمة بن الأكوع الثانية رضي الله عنه تؤكد بيعته الأولى حين كانتا في ساعة واحدة يوم الحديبية تحت الشجرة ، كما جاء عنه في صحيح البخاري في قوله : ( بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، فقال لي : يا سلمة : ألا تبايع ؟ قلت : يا رسول الله قد بايعت في الأول . قال : وفي الثاني ) 73 ، فكذلك المسلمون : أوجب الإسلام على بعضهم البعض حقوقاً ، ويتبايعون بعقد أخوة في الثاني ، زيادة خير ، وابتغاء توثق ، وعنصر تذكير ، لتِنشأ الجماعة المؤتِلفة المتماسكة المستحكمة التي وصفها إقبال – رحمه الله – في رموزه حين يقول :
كل فرد بأخيه ائتلفا **** مثل در في سموط ألفا
لفهم في عيشهم معترك **** كل فرد بأخيه ممسك
من جذاب تتوالى الأنجم **** كوكب من كوكب مستحكم 74
وهكذا ، فإنه ليس من عمل للداعية المسلم اليوم أثمن من غدوة يهب فيها لدعوته – بفضل الله – ناشئاً يغمس نفسه فيؤزره ، فيستغلظ ، فيستوي على عِقِد الأخوة ، يعجب الدعاة ، و يغيظ به الكفار .