وهذا الانغماس يؤدي إلى الاجتماع والمجالسة بالتالي ، ولذلك وجب التعرف على سيماء المجالسة النافعة ، و الابتعاد عن بعض المعايب التي تِلحقها .
ويجمع ذلك : تحري النفع في الدين فإنها الكلمة الجامعة المانعة ، والمادة الموجزة في قانون التآخي ، يضعها زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم ، فيقول : " إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه " 84
فشأن كل داعية ناشئ أن يرتاد لنِفسه المجالس التي يزيد فيها إيمانه وعلمه ، وأن يقصد المجالس التي تِنفع دينه ، ولا يعرف مجالس اللغِو و اللهِو و قتِل الِفراغ .
وشرح ذلك إقبال بشطر حاسم ، يريد لنا أن لا نطيل القول بعده ، فقال يدعو الله عز و جل :
هب نجيّا يا ولي النعمةö **** محرماً يدرك ما في فطرتي
هب نجيا لقöنا ذا جنة **** ليس بالدنيا له من صلة85
فهذا جماع القول :
إن صاحب الداعية المسلم : داعية آخر ليس بالدنيا له من صلة .
صلته بالآخرة ، و شوقه إلى الجنة .
بينه و بين الدنيا انقطاع و جفاء .
إن تحريت عنه : وجدته .
إنه هو صاحبك .
آخه ، وأحببه ، واصحبه ، وأعطه مثِل الذي يعطيك ، وإلا فإنك أنت العاجز ، فإنه كان يقال :
" أعجز الناس من فرط في طلب الإخوان , و أعجز منه من ضيع من ظفر بهم ) .
فاطلب الإخوان ، نرفع عنك صفة العجز . ولابن القيم كلام موجز شامل في ذلك ، يدل على تجربة داعية من أهل الوعي ، شخص فيه أخطار المجالس فقال : " الاجتماع بالاخوان قسمان :
أحدهما : اجتماع على مؤانسة الطبع و شغل الوقت ، فهذا مضرته أرجح من منفعته ، و أقل ما فيه أنه يفسد القِلب و يضيع الوقت .
الثاني : الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة و التواصي بالحق و التواصي بالصبر ، فهذا من أعظم الغنيمة و أنفعها ، و لكن فيه ثلاث آفات :
أحدها : تِزين بعضهم لبعض .
الثانية : الكلام و الخلطة أكثر من الحاجة .
الثالثة : أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود " 86
والذي يؤسف له أن مخاوف ابن القيم هذه تحولت إلى واقع تحياه بعض مجالس الدعاة الحالية ، ووجد التِزين وسيلة ليظهر فينا ، وزادت الخلطة بين الدعاة عن مقدارها الذي تحتاجه الدعوة وتحولت إلى شبه بطالة وشهوة تلهي عن مقصود تجمعنا في متابعة العمل مع الناشئة والجدد ، وفي الانطلاق خلال المجتمع العام لتبليغه كلمة الإسلام .