يوم السادس والعشرين من أكتوبر عام 1954 يوم لا بد أن نقف عنده طويلا ففى ذلك اليوم نشهد فصل الختام فى ظهور نوايا عبد الناصر الحقيقية التى طالما حاول أن يظهر عكسها ولكن جمهور الإخوان قيادة وأعضاء كانوا يعلمون النيات المبيتة لدى جمال عبد الناصر تجاه من ناصروه وأيدوه من اللحظة الأولى لقيام الحركة فلم تكن المسألة كما قال الأستاذ عمر التلمسانى فى فصل سابق ردا على ا لكتابات المغرضه لبعض الكتاب الماركسيين حول صراعات وخلافات ونزاعات الجماعة مع عبد الناصر ونظامه . إن جمال عبد الناصر كان يبيت النية للتخلص من الاخوان بعد أن انفرد بهم بعد تخلصه من الاحزاب القديمة وأنهم ِ أى ا لإخوان ِ كان يعلمون ذلك وانهم كانوا على ثقة بأنه سيفعل ذلك .ز وقد فعل .
ففى هذا اليوم كان قد مر على قيام الحركة 27 شهرا وعلى علاقتهم بالاخوان المسلمين وعلى تأييد الإخوان ِ أقوى الهيئات والجماعات شعبية فى مصر فى ذلك الوقت ..ولقد جاء فصل الختام الذى لم يكن مسكا سريعا كما توقع الاخوان وسندع الأحداث كشريط مصور تمر أمامأذهاننا وعيوننا لعلنا نفهم أبعاد تلك الأحداث التى جرت فى ساحة ميدان المنشية بالاسكندرية فى السادس والعشرين من أكتوبر 1954 .
فى مساء ذلك اليوم توجه جمال عبد الناصر ِ وكان رئيسا للوزراء فى ذلك الوقت ليلقى خطابا أمام جمهور كبير من المواطنين فى ساحة الميدان ليعلن اكتمال الكفاح باتفاقية الجلاء ووقعها مع الانجليز قبل أسبوع من الحادث .. ولم تمض ثلاث دقائق حتى انطلقت رصاصات من مسدس يحمله شاب من وسط الجماهير .. ويبدو أن الرصاصات طاشت وكانت ثمانى رصاصات ِ كما اتضح هذا خلال التحقيق ِ والغريب أن جمال عبد الناصر أستأنف الحديث غير آبه بالحادث وصاح فى ا لجماهير : فليبق كل منكم فى مكانه .. أيها الرجال فليبق كل منكمم فى مكانه .. دمى فداء لكم .. حياتى لكم .. دمى منكم ولكم .. دمى فداء لكم .. أنا لست جبانا .. أنا أقبل الموت من أجل حريتكم .. من أجل عزتكم .. أنا جمال عبد الناصر لا أخشى الموت .. أنا جمال عبد الناصر أتكلم بعد أن حاول المغرضون الاعتداء على وعلى حياتى . . إن حياتى فداء لكم .. دمى فداء لكم .. أيها الرجال أيها الرجال .. أيها الأحرار ..ان جمال عبد الناصر ملك لمصر كلها .. وها هو جمال عبد الناصر يتكلم أنا لست جبانا أنا أستقبل الموت سعيدا من أجل حريتكم .. ومن أجل عزتكم ومن أجل كرامتكم واستمر يقول .. أيها الناس ، أيها الأحرار وحتى لو قتلونى فقد وضعت فى نفوسكم العزة فليقتلونى الآن فقد غرست فى ضمير الأمة الحرية والكرامة والعزة من أ جل مصر حرية مصر .. سأعيش من أجل مصر وفى سبيل مصر سأموت .. " .
هذا ما أوردته الصحف اليومية * فى اليوم التالى حول وقائع هذاالحادث وتحدثت الصحف عن وقائع ما جرى بين عبد الناصر ورفاقه قالت : وزاد فى كهربة الموقف أنه كان فى جيب جاكته جمال الأعلى قلمه الحبر وهو قلم أحمر وفى أثناء جذب جمال وتخلصه من أيدى زملائه انفتح صمام القلم الأحمر وسقط الحبر الأحمر على صدر جمال وظن من حوله أنه جرح وأن هذا دمه وعندما انتهى جمال عبد الناصر من كلمته أقبل زملاؤة عليه يبحثون عن مكان الجرح فقال لهم : إن الذى جرح قلمى الأحمر .
والشىء الغريب أنالصحف اليومية خرجت صباح اليوم التالى دون ذكر شىء عن سلاح الجريمة الذى استخدمه هذاالشاب باستثناء جريدة الاهرام التى قالت : إنه عثر فى المكان الذى يقف فيه الجانى على أربعة أظرف عيار 26 ملليمترا وأنها تختلف عن طلقات المسدس الذى ضبط مع المتهم إذ أن المسدس الذى عثر عليه مع المتهم من نوع " المشط " الذى لا يلفظ إلا ظرف الفارغة .. ثم اختفى ذكر سلاح الجريمة من جميع الصحف المصرية وكأنه " فص ملح وذاب " ونمضى مع رحلة المسدس المختفى ونقرأ هذه القصة اللطيفة !! والتى نشرتها الصحف أيضا حيث نشرت صورة عامل يدعى " خديوى آدم " عامل بناء حضر من الاسكندرية ليحضر الى جمال عبد الناصر المسدس الذى استخدمه المتهم فى جريمته وقالت الصحف * إن عامل البناء كان ضمن الموجودين فى السرادق وسقط على الارض مع الذين سقطوا عقب إطلاق الرصاص وجاءت سقطته على ا لمسدس " وكان لا يزال ساخنا فعرف أنه المسدس المستخدم فى الجريمة وقرر أن يسلمه بنفسه للرئيس عبد الناصر .
ولما لم يكن معه نقود ليستقل وسيلة مواصلات الى القاهرة التى عاد اليها الرئيس فى اليوم التالى للجريمة فإن هذا ا لعامل قرر أن يسافر الى العاصمة سيرا على الأقدام .ز وبالفعل بدأ رحلته فجر الأربعاء 27 أكتوبر مستخدما قضبان السكة الحديد دليلا له فى ا لمجىء الى القاهرة التى وصلها يوم الاثنين أول نوفمبر وفى خلال الطريق وبسبب أفلاسه الشديد فإنه إضطر لبيع قفطانه ليشترى بثمنه " سندوتشا " يأكله وفور وصوله الى ا لقاهرة أتجه الى مقر قيادة الثورة وطلب مقابلة الرئيس عبد الناصر بعد أن كشف للحرس عن المسدس الذى يحمله وبالفعل استقبله عبد الناصر وعندما عرف حكايته وأنه من الأقصر تأثر وعانقه وقال له " يعيش أبناء الأقصر " وأعطاه مكافأة 100جنيه !!
وذكرت الصحف ِ فيما يتعلق بالطرف الثانى من أركان الجريمة ِ أن الشعب قبض على الجانى وفى يده المسدس ِ هذا ما ذكرته الصحف فىاليوم التالى ِ كما قبض الشعب على الجناه الذين كانوا معه والجانى أسمه محمود عبد اللطيف وهو سمكرى من امبابة ومن الاخوان المسلمين وتولت النيابة التحقيق مع المتهم فى السجن الحربى بمعسكر مصطفى كامل وجاءت التحقيقات تقول : إنه يبلغ من العمر 30 سنة ومتزوج من عشر سنوات وله ثلاثة أولاد وعضو فى ا لاخوان المسلمين منذ 16 سنه وكما ذكرت الصحف فى اليوم التالى للحادث أن المجرم ضبط متلبسا بإطلاق الرصاص فقد هجم عليه العسكرى إبراهيم حسن الحالاتى وهو من بوليس باب شرقى وكان يبعد عن المتهم بأربعة أمتار وفى ا لتحقيق الذى أجرى مع المتهم اعترف أنه اطلق النار ولكنه فى بادى الأمر قال : إنه أطلقه على سبيل الابتهاج باعتبار أنه محارب قديم فى فلسطين ثم عاد واعترف بأنه كان يريد اغتيال جمال عبد الناصر وأنه سبق أن حاول منذ عشرة أيام اغتيال جمال عبد الناصر فى القاهرة أثناء خطابه فى مؤتمر الموظفين بميدان الجمهورية ولكنه لم يستطع تنفيذ محاولته لأنه منع من الدخول ووقف على مسافة بعيدة من مكان الرئيس مما دعاه لتأجيل مؤامرته لفرصة ثانية وعندما سئل من الذى حرضك على هذه المحاولات ؟ قال : إن الجهاز السرى لجماعة الاخوان المسلمين دربه على إحكام إصابة الهدف فى أرض فضاء بمدينة الأوقاف بجهة إمبابة منذ أكثر من شهرين وأنه تسلم من هنداوى دوير رئيس فرع الجهاز السرى بمنطقة امبابة المسدس الذى استخدمه فى ارتكابه الحادث وكانت محاولة الاغتيال قد جرت مساء الثلاثاء 26 أكتوبر وخلال نفس الليلة تم القبض على ما يقرب من 18 الف شخص ( على حد قول جمال عبد الناصر فى أحدى خطاباته اللاحقة ) وذكر أحد الرسميين أن العدد وصل الى 24 ألف شخص خلال ليلة واحدة كما تم ضبط كميات كبيرة من الاسلحة من مختلف الأماكن وبعد أربعة أيام أعلن الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد القومى أن هنداوى دوير المحامى اعترف بمعلومات خطيرة عن الخطة التى وضعها الجهازالسرى لجماعة الاخوان لمحاربة الحكومة وكان محمود عبد اللطيف قد اعترف بأن هنداوى سلمه السلاح لقتل الرئيس وأن قتل عبد الناصر كان بمثابه إشارة يتبعها تنفيذ مخطط لاغتيال أعضاء مجلس قيادة الثورة وقتل 160 ضابطا أو خطفهم .
وبعد يومين من هذا التصريح أعلن تشكيل محكمة أطلق عليها اسم " محكمة الشعب " للنظر فى الأفعال التى تعتبر خيانه للوطن أو ضد سلامته فى الداخل والخارج وشكلت برياسة قائد الجناح جمال سالم وعضوية القائمقام أنور السادات والبكباشى حسين الشافعى وشكل مكتب ادعاء برياسة البكباشى زكريا محى ا لدين كماأعلن تشكيل ثلاث دوائر جديدة لمحكمة الشعب الى جانب الدائرة الرئيسية التى يرأسها جمال سالم وذلك للنظر فى القضايا العديدة التى كشفت لتحقيقات الواسعة والتى أدت الى اعتقال المئات واعترافهم ِ كما ذكرت الصحف ِ بسلسلة من المؤامرات الايجابية الخطيرة .
لقد أردنا بهذا العرض السريع لوقائع الحادث أن نرويها كما جاءت حرفيا بالصحف اليومية دون إضافة أو تعديل وقبل ان ننتقل الى ما وقع من أحداث المحاكمات التى جرت بعد ذلك لا بد أن نتوقف قليلا عند هذه الوقائع ونضعها تحت مجهر البحث التحليلى الهادىء لما سماه صلاح سالم وزير الارشاد القومى بأبعاد المؤامرة الكبرى وما حفلت به الصحف المصرية .
إن الظروف التى سبقت الحادث لا بد ان تعكس نوعا من الاستنتاج يمكن أن نستشف منه شيئا فقد اهتزت شعبية جمال عبد الناصر بسبب الخلافات داخل مجلس قيادة الثورة وازدياد حدة الخلاف بينه وبين الرئيس محمد نجيب وازدياد شعبية الأخير خاصة بعد انتهاء أزمة مارس 1954 .
ولنسمع شهادة حسن التهامى فى " شهادة للتاريخ عن حادث المنشية * يقول " .ز وقد شد انتباهنا أن خبيرا ِ امريكى الجنسية ِ فى الدعاية والآعلام ومن اشهر خبراء العالم وقتها فى الدعاية كان قد حضر الى مصر وكان من مقترحاته غير العادية والتى لم تتمش مع مفهومنا وقت اقتراحها هو " اختلاق محاولة لاطلاق الرصاص على عبد الناصر ونجاته منها فإن هذا الحادث بمنطق العاطفة والشعور الشعبى لتأهيله للحكم الجماهيرى العاطفى أكثر من أية حملة دعائية منظمة توصله الى القيادة الشعبية فى أقرب الطرق العاطفية .
بالنسبة لنا كان مرادفه هذا الحادث لهذه الفكرة وحدوثها بعد الاقتراح بشهور قليلة جدا مثار دهشة كنا قد فسرنا ها وقتها " توادر أفكار عجيب ومصادفة " .
وكان حسن التهامى يرد بهذه الشهادة على دعوة الاستاذ صالح أبو رقيق فى عدد سابق من هذهالمجلة فى باب حوار الأسبوع تحت عنوان " رسالة " صالح أبو رقيق " قال فيها : " .. كما أن هناك شاهدا أحسبه أمينا وأتعشم أن تقوى الله التى تنزل على قلبه الآن تدعو الى أن يجلى الحقيقة فى هذا الحادث " حادث المنشية المشئوم " ويظهر الحق لعباد الله وهى شهادة أطالبه بها أمام ا لله فى الدنيا وبين يديه فى الآخرة هو السيد حسن التهامى يقول فقط من أطلق الثمان رصاصات فى الهواء الطلق ؟ "
ويقول الأستاذ عمر التلمسانى .. " لقد سمعنا فى تلك الفترة أن جمال عبد الناصر استدعى أحد الخبراء الأمريكيين فى ا لدعاية لوضع خطة يكسب بها تأييد الجماهير وأشار عليه بفكرة اختلاق حادث إطلاق رصاص وهمى أما بالنسبة للمتهم وهو محمود عبد اللطيف " فقد غرر به واستخدم كطعم فى هذه التمثيلية الواضحة التى كان هدفها التخلص من جميع معارضى جمالف عبد الناصر سواء الاخوان أو محمد نجيب وقد تحقق له ما خطط ورتب له وكان يبيت النية له منذ زمن والاخوان يعلمون مسيقا بما ينويه عبد الناصر " .
أما شهاد ة السيد حسين الشافعى عضو مجلس قيادة الثورة فى روزاليوسف * فيقول فيها /: الحقائق التى رآها الناس تثبت أن الاخوان المسلمين قد أطلقوا الرصاص على عبد الناصر !! ولو كان المرحوم حسن البنا موجودا عند قيام الثورة لرحب بها وتم تعاون وثيق بين الثورة والإخوان ولكن قيادة الاخوان ِ فى ذلك الوقت ِ كانت لها رواية مختلفة لهذاا لتعاون كان تصورهم أن الجيش قام بما عليه عندما أزاح الملك وانهم الوريث الشرعى للحكم " .
ولعلنا نسأل السيد حسين الشافعى أية حقيقة تلك التى رآها الناس ؟ ولماذا هذه الشهادة المقتضبة حول الحادث ؟ وهل كانت الظروف خلال وقت الحادث وما بعده وطوال فترة حكم الضباط الأحرار تسمح للناس أن يروا الحقائق ِ التى طالما أضفت عليها حركة يوليو 1952 ستارا من التعتيم الاعلامى على مدى 30 عاما ؟ ! ثم ما هذا النكران والجحود تجاه حركة الإخوان التى وقفت مؤيدة مشجعة للحركة ودافعة لمزيد من التأييد الشعبى الذى افتقدتة حركة الانقلاب فى بدايتها ؟ ! وماذا كان يتصور السيد حسين الشافعى صورة هذا التعاون من الاخوان الذين كان الإمام الشهيد لهم معلما ومرشدا ومربيا ؟ لو امتد الأجل بالاماما لشهيد لأيد الانقلاب يوليو بنفس الصورة وليس بصورة التعاون كما رسمها قادة الانقلاب فى مخيلتهم لقد كان تعاون الإخوان فى عهد الامام الشهيد ينطلق من النصح لرؤساء الحكوماات والملك بتطبيق شرع الله المستند على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والاخوان فى فترة الأستاذ حسن الهضيبى لم يفكروا أنهم الوريث الشرعى للحكم كما يتصور السيد حسين الشافعى وإنما اقتصرت المسألة على مطالبتهم وحثهم لجماعة الضباط الأحرار علىالعمل بشرع ا لله ِ فتصور معظمهم أن هذا نوع من الوصاية وفرض أفكار ومبادىء الإخوان ولكنها العقيدة التى طالما نادى بها الاخوان بأن تأخذ مسارها فى مصر وأن تحكم مصر بالشرع الالهى الذى لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . ونعود لأحداث تلك الأمسية من ذلك اليوم ِ 26 أكتوبر 1954 ِ ونطرح علىبساط البحث هذا التضارب فى الوقائع ِ والتى طبقا لنصوص القانون أن الشبهات تفسر لصالح المتهم ِ والمتهم هنا هم جماعة الاخوان المسلمين .
لقد تضاربت روايات الصحف حول المسدس أو سلاح الجريمة الذى استخدم فى محاولة الاغتيال فقالت صحيفة : إن الشعب قبض على الجانى وفى يده المسدس . كما قبض الشعب علىالجناة الذين كانوا معه بينما قالت صحف أخرى : إن المجرم ضبط متلبسا بإطلاق الرصاص فقد هجم عليه العسكرى إبراهيم حسن الحالاتى وهو من بوليس باب شرق وكان يبعد عنالمتهم بأربعة أمتار .
اختفاء ذكر وجود المسدس فى الصحف المصرية فى ا لأيام التالية للحادث قال حسن العشماوى * فى مذكراته بروزاليوسف مع الصباح علمنا أن ا لذى أطلق النار هو محمود عبد اتللطيف وأنه اعترف بأن محرضه هو هنداوى دوير المحامى بامبابة ِ وانا أعرف محمود عبد اللطيف منذ معركة قناة السويس عام 1951 وأعلم أنه انضم الى الجهازالسرى أيضا وأعرف مهارته فى إصابة الهدف بالمسدس على نحو غير طبيعى .. ويضيف حسن عشماوى كان يوسف طلعت رئيس الجهاز السرى يؤمن بأن حادث المنشية حادث مفتعل لم يحدث لم يحدث على هذا ا لنحو وإن قام بجانب من أدواره أشخاص فى الجهاز السرى وكان يستمد إيمانه هذا ِ كما تصورت ِ من أنه لم يكلف أحدا بالاقدام عليه وأن ا لمرحوم إبراهيم الطيب الذى يليه فى الرياسه لم يأمر به أيضا .. أيضا المسافة بين مطلق النار وموقف عبد الناصر والميل الشديد فى الاتجاه ووقوف المجنى عليه وراء حاجز وذهاب محاولة القتل وحده دون شريك يسنده بمسدس أو قنبلة ثم عدم اصابة الهدف من شخص يعرف مقدرته الفائقة ز وكان يوسف يتساءل دائما عن تفسير لأن يرسل هنداوى دوير شخصا واحدا وهو يستطيع أن يرسل من عنده عشرة أشخاص .. ولأن يرسل مسدسا واحدا بدلا من عدة مسدسات وعدة قنابل .. وقد سمعت بعد ذلك من موظف عاين مكان الحادث رسميا أن ا لحائط المواجه لإطلاق النار ليس به أثر للرصاص وأنه يعتقد أن المسدس الذى سمعت طلقاته كان محشوا بالبارود فقط دون الرصاص .
التوافق الزمنى الغريب بين إطلاق الرصاص وانسكاب القلم الحبر الاحمر على صدر جمال عبد الناصر وما أداه من إلهاب مشاعر الناس الذين رأوا اللون الاحمر على صدر جمال عبد الناصر .. وإصرار عبد الناصر علىالكلام وأنه لم يمت ِ أى انه كان واعيا تماما بما يجرى ولم يتأثر بحالة الزعر الجماعى التى أصابت الجميع فى ساحة ميدان المنشية وربما كان جمال عبد الناصر هو الوحيد الذى كان يعى ماذا يفعل .
أليس غريبا فى مثل هذه الظروف أن تجرى الأمور بعد الحادث بشكل مرتب ودقيق رغم أن هذه المحاولة تشكل حالة من الاضطراب فى كل أجهزة الدولة وقيادة الثورة ولقد قبض على الآلاف من الاخوان وصلوا فى التقديرات ما بين 18 و 24 ألف من الاخوان فى نفس الليلة !! أما تلك القصة المحبوكة والعاطفية عن ذلك العامل الذى جاء على فلنكات "السكة الحديد من الاسكندرية للقاهرة فقد قصد بها كسب المزيد من التعاطف مع عبد الناصر وقصد بها أن يذهب مواطن لعبد الناصر نفسه وليس لأحد أقسام البوليس حتى لا يقال إنه مدفوع من اجهزة الأمن لتدبير موضوع تسليم المسدس وهى قصة من تأليف البوليس على حد قول حسن العشماوى فى مذكراته *
ثم ألم تذكر الصحف اليومية أن المسدس الذى ضبط مع الجانى ظهر بعد ذلك أنه ليس من عيار الرصاص المضبوط حيث ضبط معه مسدس من نوع " المشط " وهو نوع لا يلفظ إلا الأظرف الفارغة !!
ثم هناك واقعة الرداء الواقى من الرصاص والذى يرتديه عبد الناصر فقد قال حسن التهامى فى شهادة للتاريخ .. أما بالنسبة لحادث إطلاق الرصاص على عبد الناصر فى ساحة المنشية بالاسكندرية فلم أكن معه أثناء إلقاء هذه الخطبة كما لم أصحبه فى العديد من مثل تلك المناسبات الخطابية وزياراته للمحافظات وعلمت بنبأ إطلاق الرصاص على عبد الناصر وقد كان من بين إجراءات تأمين عبد الناصر وقتها محاولة إقناعه بارتداء قميص واق من الرصاص يرتديه على صدره وكانالقميص قد ورد فعلا من أمريكا قبل الحادث ببضعة اسابيع وكان مودعا عنده فى بيته بمنشية البكرى وأرسلناه إليه فى نفس الليلة فوصله فى الصباح الباكر اعتقادا منا بأن فشل النحاولة الأولى قد يعقبه تكرار لمحاولة طالما هو مازال بالاسكندرية وعندما رآه فى الصباح وكان معه العديد من الزملاء يهنئونه على نجاته ضحك كعادته وقال “ كل شىء انتهى “ ! يقصد أن المحاولة انتهت ولا داعى للقميص “ .
ولكن هناك شاهد آخر يكذب أقوال حسن التهامى بخصوص القميص الواقى من الرصاص ِ فى مجلة الدعوة ِ كتب شوكت التونى المحامى قائلا : قام الانقلاب العسكرى عام 1952 بحجة إصلاح الفاسد من نظام الحكم وإذ بنا نرى منذ يوليو سنة 1953 الى أن انقشعت كل هذه الغمة تسلطا على كل ما هو جميل بدءوا يريقون دم العمال ليخيفوا العمال ِ نسفوا النظام الحزبى ِ نسفوا الدستور ... ثم ابتدءوا بمذبحة الإخوان المسلمين سنة 1954 .ز هناك جريمة كانت معدة اعدادا .. وهى جريمة واقعة المنشية كانت معدة أعدادا لكى يطاح بالاخوان المسلمين .. وحين أقول ذلك لا أقوله خيالا ولكن بالواقع فقد حدث أن وكلت وترافعت عن العقيد “ عبد الرحمن مخيون “ وكان مديرا لمكتب عبد الناصر سنة 1961 واتهم بتدبير انقلاب فإذا به يقول لى فى السجن الحربى : أنا الذى أعددت القميص الواقى لعبد الناصر وألبسته له فى مبنى البورصة فى الاسكندرية ( قبل الحفل الذى أطلق فيه الرصاص على عبد الناصر ولما تأخر القميص فى الوصول ربع ساعة تأخر الحفل ربع ساعة عن موعده وهكذا جاءت الرصاصة المزعومة فى قلب عبد الناصر فلماذا لم يمت ؟ لأنها كانت مدبرة ِ قميص واق تنشين مضبوط فلا يموت عبد الناصر !!
ان تمثيلية المنشية قد أحسن أداؤها من جمال عبد الناصر ومن حوله بعد أن وصل ترمومتر علاقته بالشعب الى درجة الصفر قبل هذاالحادث المرسوم وما جرى بعد ذلك من حملات شنها عبد الناصر على الاخوان واستغلاله لنقابات العمال التى كانت الحكومة تسيطر عليها سيطرة كاملة وأثار هذه الحملات فى تضليل أبناء الشعب المصرى لدرجة أوصلتهم لاضرام النيران فى المركز العام للإخوان المسلمين والمقار المختلفة فى شتى أنحاء البلاد .
** أغرب محاكمات فى التاريخ :
الى جانب السرعة الغريبة فى تشكيل ما أطلق عليه “ محكمة الشعب “ فإن ما دار فيها وما وصلت اليه من أحكام لا يمت للقضاء أو القانون ولا يمت أيضا بالعدالة بأدنى صلة .. تشكلت المحكمة فى أول نوفمبر عام 1954 أى بعد أسبوع واحد فقط من حادث المنشية برياسة قائد الجناح جمال سالم وعضوية القائمقام حسين الشافعى والبكباشى أنور السادات ومكتب ادعاء برياسة البكباشى زكريا محى الدين .
أما المحاكمة فقد بدأت فى الحادية عشرة من صباح الثلاثاء 9 نوفمبر أى بعد أسبوعين من الحادث وفىا لجلسة الاولى التى خصصت لمحاكمة محمود عبد اللطيف وأقر فيها بأنه مذنب كان هناك موقف غريب للغاية .. فقد سألت المحكمة محمود عبد اللطيف عن المحامى الذى يحب أن تنتدبه المحكمة فذكر أسماء [3 محامين ] طلب الى رئيس المحكمة جمال سالم أن يدافع عنه واحد منهم وكانوا: محمود سليمان غنام وفتحى سلامة ومكرم عبيد وفجأة جمال سالم قائلا : وإذا رفضوا ؟ ! قال محمود عبد اللطيف تنتدب لى المحكمة أى محام ثان .
وبالفعل كما رسم جمال سالم فقد رفض المحامون الثلاثة الدفاع عن محمود عبد اللطيف ِ وكانت كل تهمتة محاولة شروع فى قتل ِ وقال أحدهم زهز محمود سليمان غنام لمندوب جريدة الأخبار “ لا أوافق إطلاقا على الدفاع عنه لأنى أستنكر كل الاستنكار هذه ا لجريمة البشعة !!وقال المحامى الثانى وهو فتحى سلامة : أرفض الدفاع عن هذا المتهم لأنى محام ولى شعور وطنى ولأنى أحتقر هذاا لمجرم وقال مكرم عبيد لا أستطيع أن أدافع عن من يعتدى على جمال عبد الناصر .. مستحيل .. مستحيل ّء!!
أية مهزلة كانت تجرى .. إن عتاة المجرمين يجدون من يدافعون عنهم وربما يجدون لهم الأعذار التى قد تؤدى لتبرئتهم مثل الخلل العقلى والدفاع عن الشرف والدفاع عن النفس والاضطراب النفسى وغيرها من الاسباب التى قد تؤدى لتخفيف الأحكام أو تبرئة ا لمتهم ولكن أن يرفض ثلاثة من المحامين الدفاع عن متهم كل تهمته الشروع فى قتل ِ إذا كان ذلك صحيحا ِ فهذه أولى مهازل محاكمة نظام عبد الناصر للإخوان المسلمين .
وتوالت المهازل ِ ويقول الآستاذ عمر التلمسانى ( إن المحكمة التى أمر عبد الناصر بتشكيلها لم تكن محكمة .ز لقد كانت وسيلة للوصول الىأحكام بالقتل والسجن والمحامون لم يكونوا يقدرون أن يؤدوا زاجبهم كما يجب أمام هذه المحكمة والمتهمون ظنوا انهم أمام محكمة حقيقية وأرادوا أن يعدلوا عن اعترافاتهم الكاذبة التى أخذت منهم تحت ضغط التهديد والتعذيب فكان جمال سالم رحمه الله يرفع الجلسة ويطلب من السجين أن يعدل عن اعترافاته فيؤخذ المتهم ليضرب مرة أخرى ليعود فيقر أن اعترافاته الأولى كانت صحيحة وفعلا حصل ان جمال سالم طلب من المرحوم الدكتور خميس حميدة أن يقرأ الفاتحة بالمقلوب وباعتبار أن سورة " آل عمران " كانت نازلة فى أحدى غزوات الرسول صلى ا لله عليه وسلم فما كان جمال سالم يعرف أن اسمها " آل عمران " فكان يقول للمتهمين اقرءوا سورة " العمران " وما كان يعرف الاسم الصحيح لنطقها !!
ويضيف الاستاذ عمر التلمسانى : لقد كان الضباط فى أجهزة الأمن والسجون يجمعون معلومات من هنا وهناك ثم يطلبون من الأخ المعتقل أن يكتبها بخط يده ويعترف بأنه ارتكب أفعالا معينة فمن رفض كان يعذب حتى الموت فقد مات كثيرون بل عشرات من الاخوان من التعذيب للأعتراف بمسائل لا يعلمون عنها شيئا ولا دراية لهم بها .. حقا لقد حصل تعذيب فى الحصول على الاعترافات بالغ الشناعة والبشاعة فيما يختص بالاخوان البعض استجاب والبعض الآخر لا يدرى شيئا ولا يعلم شيئا فمات من التعذيب " .
.. وامتد التخطيط المرسوم بدقة ليكمل الصورة ففى الجلسات الأولى للمحكمة الصورية ورد اسم ِ أو أريد لاسم محمد نجيب أن يرد ِ فى خلال مناقشة المحكمة لأقوال هنداوى دوير المحامى وأن هناك أتفاقا تم بين محمد نجيب والاخوان أن يقوم محمد نجيب بمسايرة الإخوان بعد اغتيال الرئيس عبد الناصر واعضاء مجلس قيادة الثورة وفى نفس اليوم وفى نفس اليوم أطاح عبد الناصر بآخر وجه كان ينافسه الشعبية الجماهيرية وصدر قرار مجلس قيادة الثورة بتنحية محمد نجيب من رئاسة الجمهورية وإبعاده من مجلس قيادة الثورة لينفرد عبد الناصر بحكم البلاد دون منافس أو معارض واحد !!
أما ما دار فى " كواليس " هذه المهزلة التى سميت محاكمة فهناك الكثير كانت أسئلة المحامين تستهدف إدانة المتهمين وليس الدفاع عنهم وأيجاد الثغرات والظروف المخففة لهم وجه جمال سالم من ألفاظ السباب ما يعف اللسان عن ذكره وكان يكره بعض المتهمين علىا لاعتراف بالتهديد ولم يكن يسمح لمتهم أن يلتقى بمتهم آخر وكان يسمح للجمهور الذى يحضر المحاكمات أن يشارك المحكمة فى ممارسة السخريةوالاستهزاء بالمتهمين .
أما صحافة تلك الفترة فكانت صحافة موجهة مزيفة للحقائق فقد أفاضت فى ذكر الاتهامات وإلصاقها بقيادات وأعضا ء الإخوان وتبارت فيما بينها فى توجيه أفظع السباب والشتائم لجماعة الاخوان ولم تنشر سطرا واحدا من محاورات الدفاع وإنما كانت كل مساحتها مخصصة للإدعاء ِ والقول بأن محاولة اغتيال عبد الناصر كانت جزءا من مخطط شامل أومؤامرة كبرى للإطاحة بنظام الحكم والقضاء على " الثورة ".
ثم صدرت الأحكام فى الرابع من ديسمبر بعد أن عقدت 19 جلسة لمحاكمة 19 متهمت منهت 7 جلسات لمحاكمة المتهم الأول محمود عبد اللطيف !! .. وعند النطق بالأحكام كان المتهم يحضر وحده ليسمع الحكم عليه ويصحبه الحراس لخارج المحكمة وكانت الآحكام تقضى بإعدام 8 هم : محمود عبد اللطيف ِ حسن الهضيبى ِ يوسف طلعت ِ إبراهيم الطيب ِ هنداوى دوير ِ محمد فرغلى ِ عبد القادر عودة ِ والاشغال الشاقة المؤبدة لسبعة هم : خميس حميدة ، حسين كمال الدين ، محمد كمال خليفة ، منير الدلة ، صالح أبو رقيق ، حامد أبوالنصر ، أحمد عبد العزيز عطية ، والسجن 15 عاما لأحمد شريت ، عمر التلمسانى وبراءة عبد الرحمن البنا والبهى الخولى وعبد المعز عبد الستار .
وبنفس السرعة التى تمت بها المحاكمة ( 26) يوما تم التصديق على ا لاحكام بعد صدورها بخمس عشرة دقيقة فقط ؟ !! فيما عدا حكم الاعدام للأستاذ الهضيبى فقد حففت للأشغال الشاقة المؤبدة وبنفس السرعة أيضا تم تنفيذ أحكام الاعدام وصعدت أرواح الشهداء الى بارئها .. وقال الشهيد عبد القادر عودة فى الدقائق الأخيرة من حياته : الحمد لله الذى أماتنى شهيدا وإنه لقادر على أن يجعل دمى لعنة تحيق برجال الثورة .
والغريب على حد قول الأستاذ عمر التلمسانى * : أن حاكم ذلك العهد جمال عبد الناصر لما رفعت اليه تقارير جواسيسه بأثر ذلك الاغتيال قال فى حديث نشرته الصحف ما معناه : عجبت لأمر هذا الشعب لا يرضى بالجريمة ولكن إذا عوقب المجرم ثار عطفه على المجرمين . "
وهكذا أسدل الستار على العلاقة بين جماعة الاخوان المسلمين والضباط الأحرار وكذلك الوجود الفعلى والشرعى للجماعة وكذلك أى نشاط دينى من أى مستوى داخل مصروبدأت أجهزة القمع والتعذيب داخل وخارج سجون ومعتقلات عبد الناصر فى تنفيذ مهامها الوحشية بتعليمات واضحة من جمال عبد الناصر وليس من وراء ظهره كما يدعى بعض المدافعين عن عبد الناصر وسواء كان يعلم ِ وهذا أغلب الظن ِ أو لا يعلم فتلك مصيبة .. فقد تخلص عبد الناصر من كل معارضيه قبل أن تمضى السنة الرابعة من قيام انقلاب يوليو تخلص من الاحزاب القديمة وتخلص من محمد نجيب والاخوان المسلمين فى ضربة واحدة مزدوجة رسم لها خطة دقيقة لينفرد بحكم البلاد وحده أما من عارضه من الضباط الأحرار فقد أقصاه عبد الناصر ولتصبح مصر فريسة فى يد حكم فرد واحد وكانت مأساة الشعب المصرى على مدى 18 عاما مع حكم الفرد .