إنشاء النظام الخاص
بعد ان استكمل الإمام الشهيد بناء أركان النظام العام للجماعة وقواعده متمثلة فى مكتب الارشاد والمرشد العام ِ على قمة التنظيم ِ ونزولا فى السلم التنظيمى الى الشعب الإخوانية فى مدن وقرى القطر المصرى .. وأحس الأمام الشهيد بأن الجماعة تمضى فى تحقيق أهدافها بشكل طيب وإيجابى ولكن ثمة ما ينقص هذه الجماعة وأطال التفكير فى هذه المسالة وهى إيجاد البعد المادى للدعوة وهو أن تمثل الجماعة الى جانب أدوارها المعنوية فى إيقاظ شعلة الوعى الاسلامى بين المصريين قوة مادية قادرة أن تبطش بأعداء الدعوة الاسلامية وحماية الدعوة من هؤلاء الأعداء وكانت مجريات الأمور فى تلك الفترة تشير الى ان الإنجليز يشددون قبضتهم علىالبلاد مستندين الى تحالف طبيعى وتقليدى مع القصر فى حين لم تشكل الأحزاب خطرا من أى نوع على وجودهم وخاصة بعد أن أتوا بوزارة النحاس باشا الوفدية للحكم بالدبابات الانجليزية فى حادث 4 فبراير 1942 .. وفى نفس الوقت كانت تجرى مؤامرة خطيرة هدفها بيع أرض فلسطين لليهود بتواطىء أنجليزى ولطرد أهل فلسطين من أرضهم التى عاشوا فيها آلاف السنين وشعر الأستاذ البنا أن مثل هذه الأمور تجرى دون أن تجد من يقف لها ويواجهها فالحكومات العربية فى ذلك الوقت ومنها الحكومة المصرية كانت أسيرة قوى الاحتلال متهالكة هزيلة المواقف لا تنفع ولا تضر ولا تتحرك قيد أنمله لدرء الأخطار المحيطة بدولها وشعوبها .
وهداه تفكيره لأنشاء النظام الخاص للجماعة لأنه الحل الوحيد لكى يشعر المحتل الانجليزى بوجود المقاومة لوجوده غير المشروع على الأرض المصرية ولحماية الدعوة ومواجهة خطر اليهود فى فلسطين وهى الأهداف التى قام من أجلها الجهاز الخاص وليس كما يزعم عباقرة الكتاب الماركسيون من أساتذة التصنيف والتوصيف والتشويه ِ بأنه أنشىء للقيام بالاغتيالات السياسية وقلب نظام الحكم .
ويقول الأستاذ عمر التلمسانى " الإخوانا لمسلمون أعلنوا أن هذا النظام الذى أنشئ عام 1936 كان هدفه الأول هو تحرير مصر من الاستعمار البريطانى وإنقاذ فلسطين من اليهود ولكن ا لأغراض والأهواء كانت دائما تنكر هذا المعنى الحقيقى وتنسب الى الاخوان أن النظام لم ينشأ فى الاخوانا لمسلمين إلا سعيا وراء الحكم وما من شك أن هذا ا لنظام قام بأدوار غاية فى البطولة بالنسبة للوطن والاساءة الى الضباط والجنود البريطانيين المحتلين كما قام بدورة المجيد فى حرب العصابات فى فلسطين ضد اليهود ِ والمغرضون ينسون هذه المواقف ولا يتذكرون إلا أن النظام أنشئ فى الاخوان لغرض الاستيلاء علىا لحكم ومن المسلم به بداهة أن الشئون التى فيها الشكل العسكرى أو الحربى ِ فى كل دول العالم فإنها تأخذ صورة من السرية وليست هناك دولة فى العالم تطلع غيرها من الدول على أسرار الجيش حتى المواطنين أنفسهم لا يكونون على علم بالشئون الحربية ولا يتدخلون فيها ربما أن النظام كان الجانب الأكبر من دوره الحربى هو مقاتلة الانجليز باعتبارهم محتلين ومقاتلة ا ليهود باعتبارهم مغتصبين لأرض فلسطين كان هناك شئ من السرية فى عدم التصريح بأسماء الجهاز وحقيقة وقعت أخطاء من بعض أفراد النظام ولكنها فى مجملها أخطاء شخصية يجب ألا تنصرف الى الاخوان جميعا أو لا تنصب على ا لاخوان جميعا وهنا لابد أن نقف وقفة مع ما جاء فى مقدمة صلاح عيسى عن هذه الفقرات حيث يقول * لقد سعى حسن البنا الى بناء منظمة من الكوادر تتلقى تربية وإعدادا خاصا وتعد لتكون ( ميليشيا ) سرية مسلحة مهمتها أن تستولى علىا لحكم بتحرك إنقلابى "
ولا ندرى كيف استنتج الكاتب استنتاجه هذا وهل دلته نشاطات التنظيم السرى خلال فترات وجوده على وجود هذه النية لدى أفراد الجهاز ثم ألم يطلع الكاتب على أدوار الجهاز فى مقاومة الانجليز بدءا بإثارة الفزع والرعب فى قلوب جنود الاحتلال السكارى المعربدين فى شوارع ومدن مصر وانتهاء بدورهم فى مقاومة اليهود ونحيل الكاتب الى قضايا الأوكار وسيارة الجب ِ التى سنعرض لها فيما بعد ِ لو وجد أن كل هذا من أجل فلسطين وليس سعيا وراء ما يسميه الكاتب بالتحرك الانقلابى ِ وربما تكون هناك أخطاء قد وقعت فى هذا الجهاز وهذا وضع طبيعى لجهاز يشرف عليه بشر وطبيعة البشر الخطأ ِ ولقد وضع هذا الجهاز لتربية الشباب تربية جادة وإشعارهم بالمسئولية نحو أوطانهم ونحو عقيدتهم .. لقد كان الهدف الأول للنظام هو الجهاد فى سبيل الله دفاعا عن الدين .
نظام الأسر والكتائب :
ولقد واصل الأستاذ البنا إكمال عناصر البناء المتكامل للإخوان المسلمين فأنشأ نظام الكتائب ونظام الأسر .
وبالنسبة لنظام الأسر يقول الأستاذ عمر التلمسانى " نظام الأسر كان الغرض منه فى الاخوان المسلمين تعارف أفراد الإخوان بعضهم على بعض فمثلا إذا كان جماعة الاخوان أسرة كل أسرة مكونة من خمسة أو سبعة أفراد فرؤساء هذه الأسر كانوا يكونون بدورهم أسرا جديدة ولرؤساء الأسر الجديدة رؤساء ومن بينهم تتكون أسر أخرى وهكذا ..فكان نظام الأسر فى الاخوان يقصد به التعارف والتعاون والتكامل والحب وإن الأسرة الواحدة كانت تتكافل فيما بينها فى جميع أوجه شئون الحياة المحتاج يعطيه من لديه والابن يعطيه المدرس فى أسرته درسا وهكذا كان التكافل بين أعضاء الأسر على وجه متكامل وبناء وكان المقصود من نظام الأسر وحدة الفهم وإيجاد نوع من التكافل بين الاخوان المسلمين جميعا ولم يقصد أن يعارض أى نظام آخر .
أما الكتائب فهى أيضا صورة من صور النظام الخاص لم يكن هناك فروق بين هذه التشكيلات وكان الهدف منها جميعا هو إيقاظ الوعى الاسلامى فى نفوس المصريين ليعودوا الى تطبيق تعاليم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. وكان هدف الكتائب هو تحقيق أسلوب التربية العميقة وبشكل مباشر ولعل الأستاذ البنا قد اشتقه من اجتماعات دار الأرقم بن أبى الأرقم حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع المؤمنين به فى ذلك الوقت المبكر ولقد كان لهذا النظام تأثيره العميق علىا لاخوان فأفرز هذا النظام مجاهدين لا يخافون فى الله لومة لائم ودعاة مخلصين للعقيدة وعلماء على بينة من أمور دينهم .. "
أخطِِاء عبد الرحمن السندى :
لقد عهد الإمام الشهيد بتيسير أمور هذا النظام الى أحد الشباب بعد تزكية من بعض عناصر الإخوان وبعد مبايعة للإمام الشهيد وكان أول أعمال النظام الخاص بث الفزع والرعب فى قلوب المحتلين الإنجليز حيث تم اختيار ليلة عيد الميلاد * واختاروا النادى البريطانى حيث يكون مكتظا بالجنود الانجليز وضباطهم وألقوا عليهم قنبلة لم تقتل أحدا ولكنها بعثت الرعب فى نفوسهم وحققت الغرض منها تماما فبدءوا يفهمون أنهم يعيشون وسط قوم يستطيعون أن يحفظوا كرامة أنفسهم وأن يلقنوا من يعتدى عليهم دروسا قاسية .. "
وقد سار عبد الرحمن السندى سيرا حسنا موفقا نال به رضاء القيادات والأفراد فى النظامين الخاص والعام فى الاخوان المسلمين .. ولكن ثمة تغيرات ظهرت على شخصية عبد الرحمن السندى فى الاتجاه العكسى .
ويقول الأستاذ عمر التلمسانى " بانتشار وازدياد قوة النظام الخاص أحس عبد الرحمن السندى رحمه الله بقوته وسلطانه * وكان يتصرف فى بعض الأحيان تصرفات لا يقرها الأستاذ الامام وهذا ليس أمرا مقصورا على الاخوان المسلمين قد يتصرف بعض أفرادها تصرفات لا تقرها رئاسة الحزب وقد تحمل الإخوان المسلمون كل الأعباء التى حدثت بعد ذلك ولذلك عندما طلب من الامام الشهيد ِ أن يصدر بيانا ِ فى أيام النقراشى باشا رحمة الله عليه ِ يستنكر فيه ما حدث كان الامام على أتم استعداد ونشر فى الصحف بيانا عنوانه " هذا بيان للناس " وبيانا آخر بعنوان " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين " .. أما مسألة شعور عبد الرحمن السندى أنه على مستوى الندية مع الامام الشهيد لأكبر دليل على أن قيادة الاخوان المسلمين أبعد ما تكون عن العنف لأنها لو كانت عنيفة أو تدعو الى العنف لتم الاتفاق بين الامام وعبد الرحمن السندى على العمل فى طريق واحد وتخيل عبد الرحمن السندى وصل الى مرحلة الندية مع الامام البنا فإن هذا لا يسىء الى الأستاذ البنا ولا يعيب الاخوان المسلمين .. إنما هو إحساس إنسان بلغت به القوة الى حد أنه يضع نفسه فى مستوى قائد الجماعة وهذا الانسان أغرته القوة وأغواه الشيطان ولما لم يرض رئيس الجماعة عن ذلك وقع الخلاف بينهما أما لماذا لم يفصل عبد الرحمن السندى ؟ فإن أى إنسان فى أى جماعة ينمو وتزداد قوته يوما بعد يوم قد لا يدرك خطره إلا بعد أن يصل أمره الى منتهاه وهذا ما حدث ، والسلاح الذى ضبط مع الاخوان أيام الرئيس جمال عبد الناصر فإن لهذا السلاح قصته فحين حدث حريق القاهرة وشعر الضباط الأحرار بأنهم موضع تفتيش لجئوا الى الاخوان المسلمين لتهريب الأسلحة التى كانت فى بيوتهم وكانت من اسلحة الجيش استعانوا بالاخوان المسلمين ووضع جمال عبد الناصر بنفسه التصميم للمخابىء ووضعت فيها الأسلحة بالاسمنت وهو يعرفها ولما وقعت المشاكل بين عبد الناصر والاخوان قال : إنه عثر على مخازن للإخوان تكفى لنسف القاهرة عشر مرات .
لقد نشأ الجهاز لمقاومة الوجود الأجنبى ثم انحرف عن الطريق ولو أن الحكومات اعتقدت أننا أخطأنا وأخذتنا بالحسنى وتفاوضت معنا بدل التعذيب فربما كان الحال الآن غير الحال .."
ويضيف الأستاذ عمر التلمسانى :" ومن المسلم به بداهة وأنا أقتنع بمواقف الأستاذ البنا كنت أرى أن عبد الرحمن السندى قد تجاوز حدوده عندما شعر بطاعة أفراد النظام له باعتباره أنه رئيس هذا التنظيم وبلغ به الأمر أنه عندما حدث صدام بين فريق من هذا النظام وبين الاستاذ الهضيبى ِ الذى خلف الأستاذ البنا فى مركز المرشد العام ِ أن كنت من الساعين الى التوفيق بين وجهات النظر فالتقيت مع عبد الرحمن السندى فى مكان اسمه دار الكتاب العربى لصاحبها المرحوم حلمى المنياوى فسألت عبد الرحمن السندى : هل أخذت رأى من معك قبل أن تقف هذا الموقف من الأستاذ الهضيبى ؟ فكان رده عجيبا جدا قال : إننى ماتعودت أن آخذ رأى أحد أبدا ž فتركته وانصرفت ودارت الأيام والسنون وألقى جمال عبد الناصر القبض على الأستاذ الهضيبى وبعض الإخوان فى يناير 1954 فكنا نلتقى فى مكتب المرحوم عبد القادر عودة لعلاج الموقف فحضر عبد الرحمن السندى فى ليلة من الليالى وظل هو والحاضرون يتناقشون فى الموقف وظللت أنا صامتا ولاحظ ذلك عبد الرحمن السندى فبادرنى قائلا : لماذا لا تبدىء رأيك ولا تتكلم يا فلان ؟ فقلت له يا أستاذ عبد الرحمن السندى أنا سمعت منك أن لا تأخذ رأى أحد فيما تريد أن تفعل فلا داعى لأن أناقش فى أمر من الأمور فحاول جاهدا أن ينكر هذا وأنه ما قال مثل هذا القول فتأكد لى من الاحداث الواقعة ان الغرور تملك المرحوم عبد الرحمن السندى فأخذ هذا الموقف من الأستاذ حسن الهضيبى مثلما وقف نفس الموقف مع الأستاذ حسن البنا رضوانالله عليه ولمتطل أيام الأستاذ البنا حتى يتخذ إجراء معينا مع السندى فوقف عبد الرحمن السندى هذاالموقف واحتل المركز العام هو وبعض أنصاره وذهبوا الى منزل الأستاذ الهضيبى وأساءوا اليه واجتمعت هيئة مكتب الارشاد والهيئة التأسيسية وقررت فصل السندى وبعض من معه وكان من فضل الله أن الأغلبية كانت ساحقة من أفراد هذاا لنظام التزمت بكلام الأستاذ المرشد ولم تتابع عبد الرحمن السندى على أهوائه واتجاهاته وزاد الأمور وضوحا فى نوايا عبد الرحمن السندى حين عينه عبد الناصر فى شركة " شل " فى قناة السويس وأفرد له فيلا " معينه وسيارة وأثث له منزلا وأطلعه عبد الرحمن السندى ِ مع بالغ الأسف ِ على الكثير من أحوال النظام الخاص وأسماء أعضائه مما مكن لجمال عبد الناصر من أن يسىء لهذا النظام إساءة بالغة كما ثبت من التحقيقات والقضايا التى صدر فيها أحكام ضد المخابرات التى عذبت الاحوان المسلمين فى مبدأ حكم جمال عبد الناصر ولقد نجح عبد الناصر فى التأثير على عبد الرحمن السندى واجتذبه الى جانبه فاتخذ هذا ا لموقف مع الأستاذ الهضيبى هو وبعض الشخصيات أيضا ِ ولم يكن هناك كما شاع فى ذلك الوقت تنظيم سرى بالمعنى المعروف ولكنهم الشباب الذين تحالفوا على مقاومة اليهود فى فلسطين ولقد أراد عبد الرحمن السندى أن يكون له دور فى توجيه سياسة الإخوان المسلمين إلا أن الفريق الذى كان له صله بعبد الرحمن السندى عندما تم انتخاب أعضاء مكتب الارشاد فى بدء عهد الأستاذ الهضيبى كانت الأغلبية الكبرى من أعضاء المكتب من المدنيين ِ أى لم يدرسوا فى الأزهر وليسوا مشايخ فلعل مثل هذا أساء البعض وأدخل فى روع عبد الرحمن السندى أنه تحول فى السياسة ومقابلة الأستاذ الهضيبى خصوصا وأن الاستاذ الهضيبى كان لديه مبدأ الحزم فى آرائه وتصرفاته بحكم عمله لفترة طويلة كقاض كان يقدر ويحكم وربما كان الاستاذ البنا أكثر تحملا وصبرا فى مواجهة الأمور ومعالجتها بالهدوء ولكن مواقف الأستاذ الهضيبى كانت تتسم بالحسم العاجل فى الأمور .."
وهكذا نخلص أن الجهاز السرى كانت بدايته طيبة ويعمل وفق النسق العام لحركة ومنهاج الإخوان ِ وهو مقاومة الاحتلال الإنجليزى ومقاومة التآمر اليهودى ِ الإنجليزى فى فلسطين ولكن هذاالجهاز انحرف عن طريقه وأصاب رئيس الجهاز عبد الرحمن السندى الغرور فظن أنه ينافس أو يضع نفسه فى مرتبة مع الامام الشهيد حسن البنا ثم مع الأستاذ حسن الهضيبى كما وقعت بعض أخطاء من الشباب المتحمس الذى انطلق من تلقاء نفسه فى ارتكاب هذه الأخطاء مثل حوادث نسف المحلات اليهودية أثناء حرب فلسطين ومقتل المستشار الخازندار ونسف شركة الاعلانات الشرقية وغيرها وكان ذلك نفكيرا لا تقره الجماعة مما أوجد خلافات حادة لم تنته إلا بفصل عبد الرحمن السندى وتشكيل الجهاز بأسلوب جديد بعيد عن كل مظاهر العنف والخروج من طاعة الجماعة ولكن أحدا لا ينكر أدوار هذا الجهاز فى محاربة الإنجليز والاحتلال الصهيونى لفلسطين .