استقر فى ذهن جمال عبد النصر أن يطيح بجماعة الاخوان المسلمين بدعوى حفظ النظام العام فبعد يوم واحد من الصدام المفتعل لحماة النظام الجديد " هيئة التحرير " داخل أسوار الجامعة القاهرة قرر مجلس الوزارة حل جماعة الاخوان المسلمين بحجة أنها أعلنت نفسها " حزبا سياسيا " وصدر قرار الحل يحمل بنودا أبسط ما يقال عنها أنها جحود ونكران للوقفة التى وقفتها الجماعة مع قادة الانقلاب فقد أنكر هذا القرار تأييد الأستاذ الهضيبى للإنقلاب ومناهضة قانون الاصلاح الزراعى بينما لم يفعل الأستاذ الهضيبى سوى إعلان بأن الحد الأقصى للملكية الزراعية يجب أن يكون 500 وليس 200 فدان وفى نفس الوقت فإن البيان قلب الموازين فجعل الثورة هى الحمل الوديع فى مواجه " غول " الإخوان وأنها فعلت الكثير من أجلهم مثل إعادة التحقيق فى مقتل الأستاذ البنا والإفراج عن المعتقلين السياسيين " وإنقاذ " الحكومة الإخوان من التعرض لأحكام قانون الأحزاب السياسية وأن الجماعة أرادت فرض وصايتها على شئون الدولة وأن ا لإخوان يتسترون خلف ستار الدين لتحقيق أغراضهم واجتماعاتهم مع الإنجليز من خلف ظهر الحكومة ومعارضتهم لأنشاء حزب التحرير وعديد من الأكاذيب والافتراءات وأن الإخوان كانوا يدبرون لقلب نظام الحكم وتم حل الجماعة والقبض على 450 من أعضاء الجماعة . ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " لم يبلغ قرار الحل لجماعة ا لاخوان ا لمسلمين وإنما ذهبت قوات الشرطة لبيوت المطلوب القبض عليهم وقبضت عليهم ووضعتهم فى السجون والمعتقلات وفى اليوم التالى صدرت الصحف تنشر هذا ا لخبر وقالت : إن هؤلاء الأشخاص هم الذين كانوا سيحكمون مصر إذا فشلت حركة الضباط الأحرار لقد كان تصرفا فرديا من جانب جمال عبد الناصر بقبضه على ا لاخوان ولم أكن من الذين قبض عليهم فى يناير ولكن فى فبراير قبض على ومعى المرحوم عبد القادر عودة وبعض الاخوان الآخرين عندما رأى رجال الانقلاب أننا لا زلنا على قلب رجل واحد من الذين هم داخل المعتقلات قبض علينا وأفرج عنا بعد شهر عندما حدث خلاف بين رجال وضباط الانقلاب وبين بعض وحدات الجيش وسلاح المهندسين فأفرج عنا جمال عبد الناصر ليظهر للبلاد أنه رجل ديمقراطى ورجل حرية وأنه لا يريد أن يعاقب فلما استتب له الأمر تخلص من نجيب ومن معه وظهرت نواياه الحقيقية وتصرفاته , ولم يكتف جمال عبد الناصر بقرار الحل وإنما ذهب الى أبعد من ذلك فقد وجه صحافة مصر فى الوجهة التى يريدها وجعلها تشن حملات مكثفة من التشويه والتزييف وكان من بين هذه حملات ما نشرته الصحف فى 18 يناير 1954 بعنوان " ضبط مدافع وديناميت عند الإخوان ، 219 قنبلة و 15 مدفعا و10 آلاف طلقة ومحطتين للإذاعة والعثور على مخزن للأسلحة ومواد تنسف مدينة كاملة فى عزبة حسن العشماوى ومعها كتاب عن الجرائم السياسية فى القرن العشرين .
ويقول الأستاذ التلمسانى : " الحقيقة التى يعرفها الكثيرون أن جمال عبد الناصر وبعض الضباط الأحرار كانوا يشتركون فى تدريب الإخوان على استعمال الأسلحة فى النظام السرى من عام 45 ِ 1947 بقصد تدريبهم على إجادة استخدام الأسلحة لمحاربة اليهود والانجليز وعندما حدث حريق القاهرة فى يناير 1952 كان لدى جمال عبد الناصر وبعض الضباط الأحرار كثير من أسلحة الجيش فى بيوتهم بغير حق وعلى صورة يؤاخذون بها عسكريا فلما أحسوا بالخطورة فى حريق القاهرة طلبوا من الاخوان أن يساعدوهم فى إخفاء هذه الأسلحة وفعلا استخدموا سيارات بعض الاخوان فى نقل هذه الأسلحة الى عزبة العشماوى باشا ووضع جمال عبد الناصر التصميم للمخابىء التى وضعت فيها ا لأسلحة وأخفاها فلما وقع الشقاق بين الاخوان والضباط الأحرار فى بداية عام 1954 أرسل قوة من المخابرات والمباحث وضبطوها لأنه يعلم تماما بمكان الأسلحة وهوالذى وضعها بيده وصمم المخابىء التى تخفى فيها ثم أعلن أن الاخوان يخفونها وأنها تكفى لنسف القاهرة عشر مرات .. ! "
ويقول ميتشل فى كتابه * : " وقد انتشرت على نطاق واسع إشاعة تقول : بأن تلك الأسلحة هى بعينها الأسلحة التى سبق أن خبأها أعضاء المجموعة العسكرية قبل الثورة بأنفسهم هناك وأن هذا الإتهام جلب على الحكومة بعض السخرية كما عزز صورة الجماعة المضطهدة .. " .
ويقول الأستاذ عمر التلمسانى : " لما شعر جمال عبد الناصر ببعض التحركات خصوصا سلاح الفرسان وكنا وقتها فى الاغتقال وأحس أن " محمد نجيب " غير راض عن بعض الضباط رأى أن مصلحته أن يفرج عن الإخوان المسلمين فأفرج عنهم بالفعل فى أواخر مارس وذهب الى منزل الأستاذ الهضيبى معتذرا عما حدث ودعا الاخوان الى طعام العشاء فى سلاح الفرسان فى الحلمية والاخوان المسلمون دعوة للعشاء هو والضباط الأحرار وبدا الجولة بمصالحة بين الطرفين واعتذار من جمال عبد الناصر عما قام به نحو الإخوان المسلمين ولكنه ِ على حسب عادته ِ كان دائما يستر تصرفاته بخطوات سلمية فى البداية تحسبه صافيا ولا يحمل شيئا لأحد، وفجأة يتصرف التصرف الذى لا يليق و لا يصح أن يحدث مع المواطنين فى هذا البلد .. " . وقبل ذلك أى قبل الافراج عن الاخوان وفى يوم 23 فبراير زار جمال عبد الناصر قبرالأمام الشهيد حسن البنا كنوع من إثبات حسن نواياه ولكنه كعادته إنه يقول غير ما يفعل ويفعل غير ما يقول ؟ء..."
على حد قول الاستاذ صلاح شادى * : ولقد ظهر الخلاف بين عبد الناصر ومحمد نجيب لدىالتنافس بينهما على زيارة قبر الإمامالشهيد حسنا لبنا فى 12 فبراير سنة 1954 ففى هذا اليوم الذى ظهر فيه هذا الخلاف بين محمد نجيب وعبد الناصر كان قرار حل الجماعة قائما ودار الإخوان مغلقة وكنا فى السجن الحربى حينذاك مع المرشد نحو اربعمائة من الاخوان وذلك بخلاف المعتقلين بالسجون الأخرى ويبدو ان محمد نجيب عندما علم برغبة عبد الناصر فى هذه المجامله ظن أن جمال أراد أن يكسب لنفسه شعبية لدى ا لاخوان المسلمين ينفرد بها دونه فعزم كذلك على الذهاب الى قبر الشهيد ليشاركه فى هذه الشعبية وغضب عبد الناصر غضبا شديدا لأنه أراد أن يستغل وحده دعاية الذهاب الى قبر الشهيد فاستدعى إسماعيل فريد ياور محمد نجيب وسب محمد نجيب ولعنه أمامه وطلب منه أن يبلغ ذلك الى محمد نجيب نفسه محذرا إياه من الذهاب الى مقبرة الشهيد وإلا فإن العاقبة ستكون وخيمة ولذا فعندما سمعنا ونحن فى السجن الحربى سنة 1954 بذهاب عبد الناصر الى قبر الإمام الشهيد أدركت أن وراءذهابه الى القبر محاولة جديدة منه لتقسيم الاخوان الى فريقين : فريق راض عنه وفريق آخر غاضب عليه لأنهم كما كان يقول عنهم دائما ِ عصاه ِ ويزعم أنه ليس معارضا للجماعة ذاتها وإنما هو يعارض أصحاب الأفكار المنحرفة فيها ، العصاه ،ِ ž "