حفلت آيات الكتاب العزيز بالحديث عن النار، وعذابها وأهوالها، ومصير من يكفر ويعاند، أو يعصى ويجاهر، كما جاء تفصيل بعض هذا العذاب في السنة الشريفة، ورغم كل هذا فما زال الإنسان يعصى ويكابر، ويظن أن العذاب مقدَّرñ لغيره، وسير في الجنازات مترحمًا على أصحابها دون أن يفكر أنه سيكون أمثالهم يومًا ما، وربما بعد لحظات. فإذا وقف على قبورهم تذكر رهبة الموت، وعاهد الله ألا يذنب بعد اليومº حتى إذا غادر محله، ورجع لمباهج الدنيا نسي ما عاهد الله عليه، وانطلق يفسد هنا وهناك غير عابيءٍ بلحظة الحساب، وهذا هو الغرور بالله.
الغرور بالله معناه أن يظن العبد أن رحمة الله نائلته لا محالة مهما فعل من ذنوب وكبائر، وأن يظن أنَّ النار التي خلقها الله للكافرين والعصاة مكتوبة لغيره، وأنه قد نال براءةً منها بسبب ما يدعيه من نقاء قلبه، أو في أحسن الأحوال ببعض ما فعله من حسناتٍ، أو ببعض دمعاتٍ سكبها أثناء تلاوة للقرآن تلاها أو سمعها ذات يومٍ. فكيف يطمع العبد في الله إلى هذه الدرجة؟ وما أسباب الغرور بالله؟
للغرور بالله أسباب، منها:
1- الجهل: كما قال سيدنا عمر رضي الله عنه عندما سمع رجلاً يتلو هذه الآية: \" يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بöرَبّöكَ الْكَرöيمö\"، فالجهل بمصير العباد بعد الموت، وبما أعدَّ الله من عذاب للعصاة، أو بمكر الله عزَّ وجلَّ بالعبد الغافل عنه، والجهل بضآلة متاع الدنيا الذي يتسابق عليهº هذا الجهل يدفع الإنسان للغرورº فيظل سادرًا فيما هو فيه، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، قال مجاهد، وعöكْرöمَة، وعروة بن الزبير، والسُّدّöي. وقتادة: جاء أُبي بن خلف [لعنه الله] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظم رميم وهو يُفَتّöتُه ويذريه في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال: \"نعم، يميتك الله تعالى ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\". ونزلت هذه الآيات من آخر \"يس\" : {أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مöنْ نُطْفَةٍ}، إلى آخرöهنَّ. فالجهل قد قاد ذلك الكافر إلى الكöبْرº ومن ثَمَّ اغترَّ بالله عز وجلَّ.
2- الاغترار بالرحمة: فيما يعيش ذلك الإنسان سادرًا في غöيهº إذا به يعتمد على قوله تعالى: \" وَرَحْمَتöي وَسöعَتْ كُلَّ شَيْءٍ\" ظانًّا انها تطاله لا محالة فيما تطال باعتباره شيئًا من الأشياء، ولكنه إذ يقرأ هذه الآية إنما يقرأها بهواه، ويتغافل عن تكملة الآيةº إذ يكملها سبحانه: \"فَسَأَكْتُبُهَا لöلَّذöينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذöينَ هُمْ بöآَيَاتöنَا يُؤْمöنُونَ\"، فليست الرحمة إذن لكل أحد مهما فعل، حتى إنَّ المؤمنين الصادقين لم يكونوا يغترُّون برحمة الله عزَّ وجلَّ اتهامًا منهم لأنفسهم لا لله، فهذا الصدّöيق أبو بكرٍ رضي الله عنه يقول: \"والله لا آمن مكر الله ولو كانت إحدى قدميَّ في الجنة والأخرى خارجها\".
3- الاغترار بالنعمة: يظن المغرور أنَّ النعم التي أكرمه الله عز وجل بها إنما هي من نتاج حُسن تدبيره وذكائه المُفرöط، أو قوته النادرة، وقد يتمادى في الغرور حتى يظن أن تلك النعم حاميته من حساب الله وعقابهº فيقول كما قال قارون: \"إöنَّمَا أُوتöيتُهُ عَلَى عöلْمٍ عöنْدöي\"º فيأتي رد الله عز وجل عليه: \"أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مöنْ قَبْلöهö مöنَ الْقُرُونö مَنْ هُوَ أَشَدُّ مöنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبöهöمُ الْمُجْرöمُونَ\"، وقد يغتر غير المغرور بإمداد الله، وإمهاله لمغرور، كما اغترَّ الذين يريدون الحياة الدنيا بقارونº فقالوا: \"يَا لَيْتَ لَنَا مöثْلَ مَا أُوتöيَ قَارُونُ إöنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظöيمٍ\"، وقد رَحöمَ الله عز وجل البشر من أن يُفتَنوا إمداد الله للظالمين المغرورينº فقال سبحانه: \"وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحöدَةً لَجَعَلْنَا لöمَنْ يَكْفُرُ بöالرَّحْمَنö لöبُيُوتöهöمْ سُقُفًا مöنْ فöضَّةٍ وَمَعَارöجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلöبُيُوتöهöمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكöئُونَ وَزُخْرُفًا وَإöنْ كُلُّ ذَلöكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَالْآَخöرَةُ عöنْدَ رَبّöكَ لöلْمُتَّقöينَ\". ومع ذلك فما زلنا نُعجَب بما أعطاه الله لأهل الضلال والكفر، وللمغرورين من الناس.
4- السُّتُور المُرْخاة: فقد قال الفضيل بن عياض رحمه الله: لو قال لي: \"ما غرَّك بي؟ لقلت: سُتُورك المُرخاة\". والستور هنا هي الغيب بأشكاله المختلفة، وقد أخفاها الله عنَّا تخفيفًا أوابتلاءًº فعُمر الإنسان غيبñº ولذا يظن المغرور أنه مخَلَّد، وأن الموت سُنة جارية على كل البشر عداه، وهذا هو طول الأمل.
والمرض والابتلاءات غيب يظنها المغرور حال الصحة أقدار لغيره فقط، والموت والبرزخ وما فيهما غيب لا يفكر فيهما الإنسان حتى يجد نفسه واقعًا فيهما، ولات ساعة مندمö.
5- مفتيو السُّوء: الحلال بيّöن والحرام بيّöن، وبينهما أمور مشتبهات، والمؤمن الصادق ينأى بنفسه عن المشتبهات، ولكنَّ المغرور لا يتورَّع عنها، وإن كان لا يتجرَّأ عليها دون غطاء، وهذا الغطاء - الذي يُحöلُّ له الحرام أو ما يشاء من الشبهات - يمثله مفتيُّو السوء الذين يتبعون أهواء الناس، ولا يخشون الله سبحانه وتعالىº يبحثون عمَّا يجلب لهم الشهرة بين الناس، أو يمنحهم السلطة والنفوذ، أو المال والثروةº فيجعلون الرّöبا ربحًا، والزّöنا زواجًا عُرفيًّا، والديكتاتورية دعوةً للاستقرار... وقد يكون ذلك المفتي عالمًا من علماء السُّلْطة، وقد يكون صديقَ سوءٍº فقد رُويَ أنَّ أحد الطغاة في العصر الحديث سأل مستشاره المقرَّب منه – وهو صحفي – هل تؤمن بأننا في الآخرة سنُحاسَب وقد ندخل النار؟ فقال له مستشار السوء: إنني أظنُّ أنَّ هذا مجرَّد تهديد من الله، ولكنه يوم القيامة سيفاجئنا بعفوٍ عامٍّ عن المسلم والكافر، وعن الظالم والمظلوم، ولو صحَّت القصة فهي تفسّöر ما فعله ذلك الطاغية من بطشٍ بالدعاة، وإراقة دمائهم وتعذيبهم، وسَجن شعبه كله في نظامٍ ديكتاتوريٍ قمعيٍّ لو تَرَ بلاده له مثيلاً، وتفسّöر – كذلك - اجتهاده في الأخذ بيد بلاده إلى قاع التخلف العلمي، والفساد الاقتصادي والإداري.. ويُعَدُّ ذلك الطاغية نموذجًا للمغرور بالله عزَّ وجلّ.
وبعدُ.. فهذه بعض أسباب إصابة الإنسان بالغرور، يُنجّöي العبد منها أن يجتنبها، ويلتزم بمضاداتها، نسأل الله عزَّ وجلَّ ألا يجعلنا من المغرورين، ونستغفره سبحانه وتعالى من كل ذنبٍ أصبناه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.
إسلام عبد التواب
باحث تاريخي
Islam777777@hotmail.com