ظلَّ العدوان الصهيوني الحاقد على غزة قرابة الشهر يحصد الأرواح، ويرفع الشهداء، ويدمر المنازل والأبنية والمستشفيات والمدارس، ويخرب ويعبث بمقدرات إخواننا في فلسطين، وخاصة في غزة، وظللنا - نحن المسلمين – طوال فترة العدوان متحفزين مستثارين، ندعو لإخواننا، ونجمع لهم المال جهادًا به، وسعى الأطباء للدخول إلى غزة من أجل نجدة إخوانهم، وعاد الشباب الغزاوي من أنحاء الدنيا ليشاركوا إخوانهم الجهاد، ثم توقفت النيران في غزة منذ ما يقارب الشهر أو يزيدº فأين غزة الآن؟
أين غزة في وجدان المسلمين؟
أين غزة من ألسنة الخطباء؟
أين غزة من أحاديث الدعاة؟
أبن غزة من أقلام الكُتَّاب؟
أين غزة من أموال أثرياء المسلمين؟
لا شك أن غزة حاضرة في وجدان الواعين من الصناف التي ذكرناها، ولكن كم من الأمة في حالة وعي؟!
إن من أهم خصائص الأمم القوية أن لها ذاكرة واعية تحفظ لها تاريخها، ومحنها وأزماتها، تعرف من خلالها أصدقاءها وأعداءها.
لذلك لا غرو أن وجدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعطينا دروسًا في الذاكرة سلبًا وإيجابًا – أي معرفة الصديق والعدو – فعندما سعى أبو البختري بن هشام وهو من سادة قريش المشركين في نقض صحيفة المقاطعة الني كتبتها قريش في مكة لحصار النبي صلَّى الله عليه وسلَّم والمسلمين في شعب بني هاشم، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات حتى سعى نفر ن قريش فيهم أبو البختري حفظها له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وعندما جاءت غزوة بدر، وشارك فيها أبو البختري نهى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم الصحابة عن قتل أبي البختري رغم سعيه لقتال المسلمينº وما ذلك إلا وفاءً لسعيه في نقض الصحيفة، وهذا من فضائل ذاكرة الأمة.
وعلى الجهة الأخرى وجدنا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عندما قُتöل نفر من أصحابه في بعث الرجيع وبئر معونة غدرًا على يد بعض قبائل العرب الذين ادعوا الإسلام كذبًا في العام الرابع من الهجرة بعد غزوة أُحُد التي أُصيب فيها المسلمون، ولم يكن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يستطسع الثأر لهم في هذه الظروف، إلا أنه صلَّى الله عليه وسلَّم – وهو يعلمنا أن تكون لنا ذاكرة – عندما صارت الظروف مواتية أرسل جيشًا في العام الثامن من الهجرة هو جيش مؤتة للثأر لهؤلاء الصحابة.
والأمم القوية – أو التي تريد ان تكون قوية - تحتفظ دائمًا بهذه الذاكرة، ولو كانت أمة كافرةº فاليهود احتفظوا بذاكرتهم حتى بعثوا لغتهم العبرية - التي كانت مندثرة – من جديد، وصارت لغة عالمية، بل حافظ اليهود على ذاكرتهم لأبعد مدىº حتى قيل في بعض الدراسات العسكرية أن اليهود عندما صنعوا الثغرة على الجبهة المصرية أثناء حرب العاشر من رمضانº فإنهم صنعوها في نفس المكان الذي خرج منه بنو إسرائيل من مصر مع نبي الله موسى عليه السلام.
لذا ليس غريبًا أن وجدنا دول أوربا الصليبية التي ما زالت تحتفظ بالعداوة للإسلام وأهله عندما أرادت اختيار مدين لتنظيم الدوة الأوليمبية عام 1992م فإنها اختارت برشلونة في إسبانيا – الأندلس الإسلامي المفقودº وذلك احتفالاً منهم بمرور خمسمائة عام على إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس وتسليم غرناطة عام 1492م، وإمعانًا في استحضار الذاكرة فإنهم قدموا فقرات في الحفبل تصور المسلمين القدمين من أفريقيا لإشاعة العدل والحرية في الأندلس بصورة شياطين.
وقد تزامن ذلك كله مع بداية مفاوضات ما يسمى بالسلام بين العرب والصهاينةº فأين اختار الأمريكان والوربيون مكان انعقاد المؤتمر؟
لقد ابتعدوا عن كل الدول المعنية بالمشكلة، واختارو مدريد التي لا شأن لها بالصراعº فلماذا؟
إنهم يستحضرون ذاكرتهم التاريخية، فأرادوا أن يقولوا لنا: إنكم أيها العرب كما استسلمتم لأوربا منذ خمسمائة عام في الأندلسº فستستسلمون هنا في نفس المكان الآن!!
إنها ذاكرة قوية تستحق الاحترام، ولو أنها ذاكرة عدونا، وموجهة إلينا، ولكننا لابد أن نتعلم معنى أن تظل قضايانا المصيريةº كقضية فلسطين في ذاكرتنا.
علينا ألا ننسى أننا مسلمون، وأننا مستهدفون بالعداوة.
علينا ألا ننسى أن قضية فلسطين قضية الأمة كلها، وأنهم يريدون تصفيتها.
علينا ألا ننسى أن قضية إعادة إعمار غزة هي سلاح خطير يريد العدو أن يحقق من خلاله ما لم يستطع أن يحققه في ميدان المعركة.