
تحدثنا في الجزء الأول من المقال عن تمسك العسكريين بالسلطة إلى أبلغ حدٍّ، وذكرنا أنَّ ما فعله المشير سوار الذهب في السودان، والعقيد ولد محمد فال في موريتانيا شيء نادر الحدوث في الأنظمة الديكتاتورية، وقبل أن نتحدث حول صفات العسكريين التي تؤدي بهم – حال توليهم السُّلْطة – إلى التسلط والديكتاتورية، ومöن ثَمَّ يقودون بلادهم نحو الهاوية، أرى أنَّ هناك مسألةً جديرة بالتحرير، وهي أنَّ نزعة التسلط موجودة في كل إنسان بنسبة ما إلا أنها – لأسباب مختلفة بعضها مشروع، وبعضها غير مشروع – تكون أبرز عند العسكريين، كما أنوّöه أنه ليس كل العسكريين بهذا السوءº فهم طبقة من المجتمع، بهم مزاياه وعيوبه، ولكننا نتحدث هنا عن ذلك النوع من العسكريين الذي لا يرقب في أهل وطنه إلاً ولا ذمَّة.
بهذا المفهوم نبدأ بإذن الله توضيح الصفات التي يتصف بها أولئك العسكريون الذين تولوا الحُكم في عدد من البلاد العربية، وكانوا نماذج للديكتاتورية والتسلُّط، وأذاقوا شعوبهم المذلة والنكسات العسكرية المهينة.
أولى هذه الصفات: التخلص من شركاء الكفاح: وهذا نهج متكرر في هذا الصنف من البشرº فبمجرد سيطرتهم على الحكم، والتحكم في مقاليد لأمور يتم التخلص من شركاء الكفاح الذين يلتمسون فيهم القدرة على المعارضةº خوفًا من أن يقفز هؤلاء على أماكنهم، وخاصةً لو كان هؤلاء من ذوي الضمائر الحية، أو كانوا ذوي رؤية ومنهجº ويتم التخلص في المعتاد بإبعاد العناصر التي يتخوفون منها إلى العمل بالسفارات في الخارج، أو في أسوأ الأحداث يتم القبض عليهم، وإيداعهم السجون، أو فرض الإقامة الجبرية، أو نفيهم إلى الخارج، وقد يتم التضحية بشركاء السُّلْطة ككباش فداءٍ للحاكمº كما حدث من أحد الزعماء الملهمينº إذ تخلص من رفيق عمره، ورفيق ملابسه المدنية ليلة الثورة، وشريكه في الحكم ككبش فداءٍ للنكسة، ثم أعلن انتحارهº ليقول: إن شريكه هذا كان هو المسؤول الوحيد عن الهزيمة، أمّا مَن ولاّه أمور الجيش دون رقيب فهو البريء من كل ذنب، وهو المخدوع الذي يريد التصحيح..
ثاني صفاتهم: تولية أهل الثقة: فهذا الصنف لا يستريح في التعامل مع أهل الخبرة الذين يدرون حقائق الأمورº وذلك حتى لا يكشف هؤلاء جهلهم، أو فسادهم، أو يعارضوا ما يقترحه أولو السلطة الملهمون من مشاريع تجرُّ البلاد إلى المصائب والكوارث التي لا علاج لها، إنهم لا يستريحون إلا للجاهلين من أهل الثقة، المستعدّöين للنفاق والمداهنة، والذين يملكون قدرًا مشابهًا لسادتهم من الجهل، وانعدام الضمير بما يسمح لهم بالسكوت عن الفساد والتخريب الذي يمارسه السادة، بل وتجميله بالزور والبهتان أمام أعين الجماهير المخدوعة، وكم سمعنا عن بُعْد نظر الزعيم، وحُسْن تدبيرهº رغم أنَّ التاريخ يشهد أنَّ هؤلاء الزعماء لم يجلبوا لأوطانهم إلاّ المصائب والكوارث.
ثالثها: تحويل الهزائم والكوارث إلى انتصارات: أو التخفيف من وقعها قدر الإمكانº تفاديًا لاستيقاظ الشعوب على حجم الكارثة بما يهدد عروش الطغاةº وذلك ما رأيناه في الحروب العربية الإسرائيلية، وكيف تحولت الكارثة إلى نكسة، وانقلبت الهزيمة إلى انتصار لأنَّ القائد الملهم لم يتنحَّ، وخرجت المظاهرات المرتبة مسبقًا تنادي ببقاء الزعيمº فجرَّت وراءها البسطاء من الناس الذين لم يكونوا يدرون بحجم الكارثة، وفي بلاد اخرى لم يستطع الشعب الخروج في مظاهرات ضد الحكم رغم علمه بما حدثº لأنَّ القمع لم يكن يرحم أحدًا في الأوقات العادية، فما بالك بوقت الهزيمةº حيث الأسباب وفيرة لإزاحة النظام من الحكم..
رابعها: قدرتهم الفذّة على التراجع عن عقائدهم، وخيانة مبادئهم وأوطانهم: فالتاريخ يشهد أنَّ أكثر الزعماء جعجعةً ضد إسرائيل هم الذين اتفقوا على الاعتراف بإسرائيل، واتفقوا على إعلان ذلك، لولا خيانة أحدهم للآخر، وهجومه عليه إöثْر إعلان الأول عمّا اتفقوا عليه.
أمَّا قدرتهم على خيانة بلادهم فحدّöث ولا حرجº فليس لهم مثيل فيها، فهناك الزعيم النُّصيري الذي كان وزير دفاعٍ في بلده إبَّان النكسة، ثمَّ أعلن فجأةً أن اليهود قد استولوا على بلدةٍ قريبةٍ جدًّا من عاصمة بلاده، رغم أنَّ القوات الإسرائيلية لم تصل بعدُº مما جعل قوات جيشه تنسحب من البلدةº فيدخلها الجيش الإسرائيلي دون مقاومة، وقد نشرت إحدى المجلات الإسلامية الشهيرة صورةً لشيك حصل عليه ذلك الوزير - الذي أصبح فيما بعدُ ديكتاتورًا لدولته، وسام أهل السُّنَّة سوء العذاب، وأقام لهم المذابح – نظير ما قدَّمه من خدمات للعدو الصهيوني.
ويشهد التاريخ كذلك على الزعيم الآخر لذي ما فَتيء يعلن عن نيته إلقاء إسرائيل في البحر هو الذي ترك قطعةً غاليةً من أرضه على سبيل الهدية لإسرائيل لتجعل منها ميناء (إيلات) العالمي، ولöيأتö سلف سلفه لöيُنكرَ أن يكون ذلك المكان قطعةً من وطنه.
خامسها: التراجع عن الوعود التي قطعوها على أنفسهم: فما من انقلابٍ قام به العسكر في العالم العربي إلا كان من أهدافه: إقامة حياة ديمقراطية، وإقامة حياة نيابية سليمة، وإعادة كرامة المواطن، وإعطاؤه حقوقه المسلوبة، ومع ذلك لم نَرَ إلا عكس كل ذلكº فتم تغييب الديمقراطية إلى أجل غير منظور، وتم انتهاك حرية المواطنين بشكل لم يسبق له مثيل، وعُطّöلَت الحياة النيابية، وتم تزوير الانتخابات، وعرف العالم العربي لأول مرة نسبة 99.99%.
ليس الغرض من المقال استقصاء صفات هذا الصنف من البشرº لذا أكتفي بما ذكرتُº لأنتقل للإجابة عن سؤآلٍ في غاية الأهمية يطرح نفسه، وهو:
كيف تقي الأمة نفسها من ضرر اقتران العسكريين بحب السُّلطة؟
الواقع أنَّ حب السلطة شيءñ مركوز في الطباع في كل البشر، حتى قال أحد الصالحين: "آخر ما يخرج من قلوب العارفين حُبُّ الرياسة". ولكن المشكلة تكون في درجة ذلك الحب من ناحية، ومن ناحية أخرى في كيفية كبح العسكريين للجام أنفسهم إذا تولَّوا السُّلْطة.
لقد حاولت بعض الدول التي تتسم بالديمقراطية أن تحلَّ المشكلة بأن فصلت بين العسكريين والسلطة تمامًاº فجعلت منصب وزير الدفاع منصبًا مدنيًّا، أي يتولاّه رجل مدني يشرف على تنفيذ الجيش للخطط التدريبية، ويكون هو حلقة الوصل بين السلطة والجيشº ليتفرَّغ الجيش لأداء مهامه، ولكنَّ هذا النموذج ليس مضمونًا أن يحقق نجاحًا دائمًاº فقد تتم المؤامرات من خلف ظهر ذلك المسؤول لعدم علمه بما يدور، وقد لا يكون على حبرةٍ كافية بشؤون الحياة العسكريةº فيحدث تقصير في تجهيز الجيش وتدريبه. إذن ما الحل الأكيد الناجع؟
إنَّ الحل يكمن في تربية أفراد القوات المسلحة تربية إسلامية صحيحةº تجعل منهم جنودًا يبحثون عن الجهاد في سبيل الله، ولا يبحثون عن المغنم والسُّلْطة، تجعلهم مشغولين بصالح أوطانهم لا بمصالحهم الشخصية، مشغولين بكيفية الوصول لأرقى مستوى من التدريب والتجهيز لا بانتهاز الفرص للانقضاض على القيادة لانتزاع السُّلْطة.
لقد أرسل عمر بن الخطاب t فور توليه الخلافة رسالة للجيش المسلم في اليرموك بعزل خالد بن الوليد وتولية أبي عُبيدة بن الجرَّاح(وذلك لخشيته من افتتان المسلمين بخالد)، فحجب أبو عبيدة الرسالة عن خالد، وتركه يخوض المعركة قائدًا عليه حتى كتب الله له النصر، فلمَّا علم خالد بذلك لم يغضب، وإنما قال لأبي عبيدة: "رحمك الله يا أبا عبيدةº تركتني أخوض الحرب أميرًا عليك، وأنت الأمير؟" فقال أبو عبيدة: "أتريدني أن أفسد علك حربك؟! إنما نحن إخوان، ولا يُضير المسلم أن يليه أخوه المسلم في أمر دينه أو دنياه". ولم يغضب خالد لنزع الإمارة منه، ولا تمسَّك بها أبو عبيدة.
إنَّ التربية الإسلامية التي صنعت خالد بن الوليد، وأبا عبيدة بن الجرَّاح، وعمرًا بن العاص، والمثنَّى بن حارثة، والقعقاع بن عمرو، وشرحبيل بن حسنة، وغيرهم هي القادرة على أن تصنع قادةً وجنودًا لا تكون السُّلْطة هي شاغلهم، بل شاغلهم خدمة الإسلام من مواقعهم، والاستعداد للتضحية بالنفس من أجل الدفاع عن الإسلام والمسلمين.
إسلام عبد التواب
islam@islamstory.com